
من المؤلم أن نرى في زماننا هذا أبناءً صغارًا وكبارًا لا يحترمون آباءهم وأمهاتهم، فمنهم من يرفع صوته على أمه، ومنهم من يجرح مشاعر أبيه، ومنهم من يتجاهل والديه ولا يسأل عنهما إلا وقت الحاجة، وكأنهما لم يكونا يومًا سببًا في وجوده وتربيته وتعبهما من أجله.
يا أيها الأبناء، تذكروا أن الأم التي ترفعون أصواتكم عليها هي نفسها التي سهرت الليالي من أجلكم، وتحملت الألم والتعب حتى تراكم في أحضانها. والأب الذي تتجاهلون نصيحته هو نفسه الذي تعب وشقي وعمل سنوات طويلة حتى يوفر لكم حياة كريمة.
هل نسيتم أيام طفولتكم؟
من كان يسهر بجانبكم عندما تمرضون؟
من كان يحزن لحزنكم ويفرح لفرحكم؟
من كان يتحمل عناء الحياة حتى يراكم أفضل منه؟
إنهما الأم والأب، اللذان لا يمكن تعويضهما مهما كثرت الأموال وكثرت العلاقات.
والعقوق ليس فقط أن يضرب الابن والديه أو يسبهما، بل إن رفع الصوت عليهما، والتأفف في وجهيهما، وإهمالهما، وإحزانهما، والتقليل من شأنهما، وتركهما وقت حاجتهما، كلها صور من صور العقوق.
والأمر الأكثر ألمًا أن بعض الأبناء عندما يكبرون ويتزوجون وينشغلون بحياتهم، ينسون أن لهم أمًّا وأبًا ينتظران مكالمة هاتفية، أو زيارة، أو كلمة طيبة، أو سؤالًا بسيطًا يشعرهما بأنهما ما زالا مهمين في حياتهم.
يا من تظن أنك كبرت وأصبحت لا تحتاج إلى والديك، تذكر أن العمر يدور، وأن الأيام تتغير، وأنك قد تصبح يومًا في مكانهما، وتتمنى أن تجد من يسأل عنك ويحنو عليك.
قال الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
صدق الله العظيم.
يا أيها الأبناء، لا تجعلوا الدنيا تشغلكم عن والديكم، ولا تجعلوا زوجة أو زوجًا أو أصدقاء أو أبناء ينسونكم فضل من تعبوا من أجلكم. فبر الوالدين ليس مجرد واجب، بل هو دين في أعناقنا وعبادة نتقرب بها إلى الله.
وإلى كل ابن وبنت، صغيرًا كان أو كبيرًا: اغتنموا وجود الأم والأب في حياتكم، فهناك من يتمنى أن يسمع صوت أمه مرة أخرى، وهناك من يتمنى أن يقبّل يد أبيه ولو للحظة واحدة.
لا تنتظروا رحيل الوالدين حتى تعرفوا قيمتهما، ولا تنتظروا أن يصبح الاعتذار مستحيلًا حتى تندموا.
ارحموا آباءكم وأمهاتكم، واحترموهم، واخفضوا أصواتكم أمامهم، واجعلوا بيوتكم مليئة بالرحمة والمودة.
فما أقسى أن يبكي الأب بسبب ابنه، وما أصعب أن تنام الأم وقلبها مكسور من كلمة جارحة سمعتها من فلذة كبدها!
اللهم اهدِ أبناءنا وبناتنا، وأصلح أحوالهم، واجعلهم من البارين بوالديهم، وارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربونا صغارًا.







