
في توقيت بالغ الأهمية، تأتي تصريحات الدكتور محمد فريد داخل مجلس الشيوخ لتضع أمام الرأي العام صورة أكثر وضوحًا لمسار الاقتصاد المصري، بعيدًا عن التقديرات الانطباعية أو القراءات السطحية. الأرقام هذه المرة لا تحتمل التأويل، بل تشير إلى تحول تدريجي لكنه عميق في بنية الاقتصاد.
حين تقفز مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمارات إلى 66% بعد أن كانت عند حدود 40% فقط قبل سنوات قليلة، فنحن لا نتحدث عن مجرد تحسن عابر، بل عن إعادة توازن حقيقية في دور الدولة والقطاع الخاص. هذا التحول يعكس ثقة متزايدة لدى المستثمرين، وهي ثقة لم تكن لتتحقق دون إصلاحات هيكلية وتشريعية واضحة.
الأمر ذاته ينطبق على ملف الصادرات، حيث ارتفعت من 32 مليار دولار إلى 48 مليار دولار، مع طموح للوصول إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030. قد يبدو الرقم المستهدف كبيرًا، لكنه ليس مستحيلًا إذا ما استمرت نفس وتيرة العمل، خاصة مع التركيز على ميكنة المنظومة التصديرية وتوفير المعلومات الدقيقة للمستثمرين.
اللافت في الطرح الحكومي هو إدراكه أن التحدي لم يعد في الإنتاج فقط، بل في القدرة على النفاذ إلى الأسواق. وهنا تبرز أهمية إنشاء مكاتب تصدير حديثة تعتمد على التكنولوجيا، لأن المنافسة العالمية لم تعد تقليدية، بل قائمة على البيانات وسرعة الوصول إلى الفرص.
من زاوية أخرى، فإن الحديث عن التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل ضرورة. تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين يعني تقليل الوقت والتكلفة، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة حجم الاستثمارات. وفي هذا السياق، يبدو أن الدولة بدأت تدرك أن البيروقراطية هي العدو الأول لجذب الاستثمار، وأن التكنولوجيا هي الحل الأكثر فاعلية لتجاوزها.
أما القطاع الصناعي، فقد عاد ليؤكد موقعه كأحد أهم محركات النمو، بعد أن سجل معدلات نمو لافتة وصلت إلى 9.8%، بل وتجاوزت 18% في بعض الفترات. هذه الأرقام تعني أن الصناعة لم تعد مجرد قطاع تقليدي، بل أصبحت ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد، خاصة مع تحسن توافر مدخلات الإنتاج بعد قرارات إصلاح سعر الصرف في 2024.
لكن ما يميز هذه المرحلة حقًا هو الرهان على العنصر البشري، وتحديدًا الشباب. فالدفع بجيل جديد يمتلك أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للعمل في قطاع التصدير يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد العالمي الجديد، الذي لم يعد يعتمد فقط على الموارد، بل على المعرفة والابتكار.
في النهاية، يمكن القول إن مصر تسير بالفعل على الطريق الصحيح، لكن هذا الطريق لا يزال طويلًا ويحتاج إلى استمرار نفس الزخم في الإصلاح والتنفيذ. الأرقام الحالية تبعث على التفاؤل، لكنها في الوقت ذاته تضع مسؤولية أكبر على صانع القرار للحفاظ على هذا المسار، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن قبل المستثمر.







