لم يعد الحديث عن مدينة الجلالة مجرد استعراض لمشروع عمراني جديد، بل بات نموذجًا واضحًا لكيفية إعادة صياغة الخريطة الاقتصادية والسياحية لمصر وفق رؤية تنموية متكاملة تقودها الدولة بقيادة عبد الفتاح السيسي. فالمتابعة الرئاسية الدقيقة للمخطط التنموي الشامل للمدينة خلال السنوات الأربع المقبلة تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية هذا الموقع الاستثنائي على ساحل البحر الأحمر.
اللافت في هذا التحرك ليس فقط حجم المشروعات، بل فلسفة التنفيذ نفسها، التي تقوم على تحقيق أعلى المعايير العالمية، بما يضمن تحويل الجلالة إلى مركز اقتصادي وسياحي قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا. فالدولة لا تسعى لبناء مدينة تقليدية، بل تعمل على تأسيس منظومة متكاملة تجمع بين السياحة والاستثمار والخدمات، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مفهوم التنمية الساحلية في مصر.
ويأتي اعتماد المرحلة الثانية من مشروع المونت جلالة بمشاركة القطاع الخاص ليؤكد أن الدولة تتبنى شراكة حقيقية مع المستثمرين، وهو توجه يعزز مناخ الأعمال ويزيد من جاذبية المنطقة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. هذه الشراكة ليست خيارًا تكميليًا، بل أصبحت ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة وتسريع وتيرة الإنجاز.
كما أن توجيه القيادة السياسية بتعديل مسار طريق العين السخنة – الزعفرانة يبرز بعدًا آخر مهمًا في عملية التنمية، وهو الاهتمام بالبنية التحتية وتأمينها، بما يحد من الحوادث ويعزز كفاءة الربط بين المناطق الحيوية. فالتنمية لا تكتمل دون شبكة طرق آمنة وفعالة تدعم حركة الاستثمار والسياحة.
ومن زاوية أخرى، فإن التوجيهات بإنشاء أبراج سياحية، ومارينا، وفنادق متعددة الأنشطة، إلى جانب مراين لليخوت والعائمات، تعكس طموحًا واضحًا لتحويل الجلالة إلى مركز دولي متكامل، ليس فقط للسياحة الترفيهية، بل أيضًا للسياحة العلاجية والتعليمية والتجارية. هذا التنوع في الأنشطة يضمن استدامة التشغيل ويخلق فرص عمل حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في هذا المشروع، حيث شددت التوجيهات على إنشاء منطقة سكنية متكاملة للعاملين، تضم مختلف الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، وهو ما يعكس رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في قلب عملية البناء، وليس مجرد عنصر مكمل لها.
في النهاية، تمثل الجلالة اليوم أكثر من مجرد مشروع، إنها اختبار حقيقي لقدرة مصر على بناء مدن ذكية ومستدامة وفق معايير عالمية، واستثمار موقعها الجغرافي الفريد لتعزيز مكانتها على خريطة الاقتصاد والسياحة الدولية. وإذا ما استمرت وتيرة العمل بنفس الزخم والرؤية، فإن الجلالة مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز بوابات مصر نحو المستقبل.







