عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: 7 عرائس في زفة الموت.. جريمة إهمال مكتملة الأركان

ما حدث في حريق مصنع الزاوية الحمراء لا يمكن وصفه بـ”حادث” عابر، بل هو جريمة صريحة، مكتملة الأركان، عنوانها الإهمال والتسيب وغياب الضمير قبل غياب الرقابة. سبع فتيات خرجن يسعين وراء لقمة عيش شريفة، فوجدن أنفسهن داخل مصيدة موت مغلقة، بلا مخارج آمنة، بلا معدات إطفاء، بلا أدنى شروط السلامة، وكأنهن كُنّ يعملن داخل تابوت ينتظر لحظة الاشتعال.

الحقيقة التي يجب أن تُقال دون تجميل: هذه الأرواح لم تذهب بسبب الحريق وحده، بل بسبب منظومة كاملة سمحت بوجود هذا “المصنع” داخل شقة سكنية مخالفة، تدير نشاطًا صناعيًا في قلب منطقة مأهولة بالسكان، دون ترخيص، ودون رقابة، ودون خوف من حساب. هذا ليس إهمالًا عاديًا، بل استهتار فجّ بحياة البشر.

من المسؤول؟ السؤال ليس معقدًا كما يحاول البعض تصويره. المسؤول هو كل من سمح، وكل من تغاضى، وكل من مرّ ورأى ولم يتحرك. المسؤول هو صاحب المكان الذي حوّل شقة إلى ورشة موت. والمسؤول أيضًا كل جهة كان من المفترض أن تراقب وتمنع، لكنها لم تفعل أو لم تصل في الوقت المناسب. فحين تتحول المخالفات إلى أمر واقع، تصبح الكارثة مجرد مسألة وقت.

الأكثر قسوة أن الضحايا كنّ يعملن مقابل 100 جنيه يوميًا. رقم صادم يكشف حجم الاستغلال، حيث تُستنزف طاقات فتيات في بيئة خطرة مقابل أجر هزيل لا يساوي حتى تكلفة إجراءات السلامة التي لم تكن موجودة أصلًا. هذا ليس فقط استغلالًا اقتصاديًا، بل إهانة لكرامة الإنسان.

ولنتحدث بصراحة أكثر: كم مصنعًا مشابهًا يعمل الآن في الخفاء؟ كم شقة تحولت إلى ورشة إنتاج بلا ترخيص؟ وكم فتاة وشاب يعملون داخل هذه الأماكن وهم لا يعلمون أنهم يقفون على حافة كارثة؟ ما حدث في الزاوية الحمراء ليس استثناءً، بل نموذجًا يتكرر بصمت في مناطق كثيرة، ينتظر فقط شرارة صغيرة ليعيد نفس المشهد المأساوي.

المطلوب اليوم ليس بيانات تعزية، ولا وعودًا تقليدية. المطلوب تحرك حقيقي، حاسم، لا يعرف المجاملة. حملات تفتيش مفاجئة، إغلاق فوري لكل منشأة مخالفة، ومحاسبة جنائية صارمة لكل من يثبت تورطه، سواء صاحب العمل أو من سهل له العمل خارج القانون. فالقانون الذي لا يُطبق بصرامة يتحول إلى حبر على ورق، وأرواح الناس ليست مجالًا للتجارب.

كما أن الدولة مطالبة بفتح مسارات عمل آمنة للشباب، لأن الفقر لا يجب أن يكون مبررًا للموت. الفتيات لم يذهبن إلى هذا المكان حبًا فيه، بل هربًا من ضيق الحياة، فوجدن نهاية لم يكن يتخيلها أحد.

سبع عرائس رحلن في زفة موت موجعة، لكن المأساة الحقيقية ستكون إذا مرّ الحادث مرور الكرام، دون تغيير حقيقي. لأن الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في الجريمة.

فهل نتحرك قبل أن تتحول “الزفة” إلى مشهد يومي؟ أم ننتظر الضحية التالية لنكتب نفس الكلمات من جديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى