عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: ضوابط ترخيص المحال العامة وفقا للقانون

لم تعد الدولة المصرية تقبل استمرار حالة الفوضى التي ظلت تسيطر لسنوات على قطاع المحال العامة، بعدما انتشرت أنشطة تعمل دون تراخيص، وتسببت في إشغالات للطرق، وإزعاج للمواطنين، ومخاطر تهدد السلامة العامة. ومن هنا جاء قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ليضع نهاية حقيقية لعصر العشوائية، ويفرض قواعد واضحة تحكم عمل جميع الأنشطة التجارية والخدمية والترفيهية داخل الجمهورية.

القانون لم يأتِ فقط بهدف تحصيل الرسوم أو فرض القيود على أصحاب الأنشطة، بل جاء لتحقيق معادلة مهمة تقوم على دعم الاستثمار المشروع من ناحية، وحماية المواطنين والحفاظ على النظام العام من ناحية أخرى. ولهذا وضع المشرع منظومة متكاملة للترخيص تضمن أن يكون كل نشاط معروفًا وخاضعًا للرقابة وقادرًا على العمل في إطار قانوني منظم.

ومن أبرز ما نص عليه القانون أن أي محل عام لا يحق له مزاولة النشاط قبل الحصول على الترخيص اللازم من الجهة المختصة، مع تحديد طبيعة النشاط والمساحة ومواعيد التشغيل والاشتراطات الخاصة بكل نشاط. كما جعل الترخيص غير محدد المدة في أغلب الحالات، وهو ما يمثل ميزة مهمة لأصحاب المشروعات ويوفر لهم الاستقرار القانوني.

ولم يغفل القانون أهمية التيسير على المواطنين، حيث ألزم الجهات المختصة بالرد على طلبات الترخيص خلال مدد زمنية محددة، فإذا لم يتم الرد خلال المواعيد القانونية المقررة اعتبر الطلب مقبولًا وفق الضوابط المنظمة لذلك، وهو ما يحد من البيروقراطية ويمنع تعطيل مصالح المستثمرين وأصحاب المحال.

أما فيما يتعلق بالمستندات المطلوبة للحصول على الترخيص، فقد حدد القانون مجموعة من الأوراق الأساسية تشمل بطاقة الرقم القومي، وعقد الملكية أو الإيجار، والسجل التجاري، والبطاقة الضريبية، ورخصة البناء أو ما يفيد تقنين وضع العقار، إضافة إلى التقارير الهندسية وشهادات السلامة والحماية المدنية بحسب طبيعة النشاط. وتستهدف هذه الإجراءات التأكد من سلامة المبنى وعدم تعريض المواطنين لأي مخاطر محتملة.

ومن النقاط المهمة التي تضمنها القانون أيضًا السماح بتوفيق أوضاع المحال غير المرخصة ومنحها فرصة للعمل بشكل قانوني، خاصة تلك المقامة بعقارات تحتاج إلى تقنين أوضاعها، بشرط إثبات السلامة الإنشائية للعقار من خلال تقارير هندسية معتمدة، وهو ما يعكس حرص الدولة على معالجة المشكلات المتراكمة دون الإضرار بأصحاب الأنشطة الجادين.

لكن في المقابل، حمل القانون رسائل حاسمة للمخالفين، حيث منح الجهات المختصة حق الغلق الإداري للمحال التي تعمل دون ترخيص أو تخالف شروط السلامة أو تمارس أنشطة تضر بالصحة العامة أو تسبب إزعاجًا جسيمًا للمواطنين. كما شملت أسباب الغلق استغلال الأرصفة والطرق العامة دون تصريح، أو ممارسة أنشطة مخالفة لما هو وارد بالترخيص.

ولعل أخطر ما يستهدفه القانون هو مواجهة ظاهرة المقاهي والكافيهات والمحال التي تتحول إلى مصدر للفوضى داخل المناطق السكنية، حيث أكد ضرورة الالتزام بمواعيد التشغيل وعدم الإضرار بالبيئة المحيطة أو راحة السكان، بما يحقق التوازن بين حق المستثمر في ممارسة نشاطه وحق المواطن في العيش داخل بيئة آمنة ومنظمة.

كما وضع القانون نظامًا للرسوم يتم تحديده وفق طبيعة النشاط ومساحة المحل ومستوى الخدمات المقدمة، وقد تصل رسوم بعض التراخيص إلى مبالغ كبيرة في الأنشطة ذات الطبيعة الخاصة، وذلك لضمان الجدية والالتزام بالقواعد المنظمة.

الحقيقة أن نجاح قانون المحال العامة لا يتوقف فقط على صدور التشريعات، بل يعتمد على التطبيق الحازم والرقابة المستمرة من الأجهزة المختصة. فوجود آلاف المحال غير المرخصة لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد المنظم، ويؤثر على المنافسة العادلة، ويحرم الدولة من حقوقها القانونية والمالية.

إن الالتزام باستخراج التراخيص لم يعد خيارًا يمكن تجاهله، بل أصبح ضرورة قانونية وحضارية تعكس احترام الدولة وسيادة القانون. فالمحل المرخص يمنح صاحبه الحماية القانونية والثقة لدى العملاء، بينما تظل المحال المخالفة مهددة بالغلق والمساءلة في أي وقت.

وفي النهاية، فإن قانون المحال العامة يمثل أحد أهم التشريعات التي تستهدف إعادة الانضباط إلى الشارع المصري، والقضاء على مظاهر العشوائية التي أرهقت المواطنين لسنوات طويلة، ليصبح الترخيص عنوانًا للالتزام، وتصبح مخالفة القانون طريقًا لا يؤدي إلا إلى العقوبات والخسائر.

المقال يستند إلى أحكام قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية المنظمة لإجراءات الترخيص والرقابة والغلق الإداري وتوفيق الأوضاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى