لم تعد جريمة انتحال الشخصية عبر الإنترنت مجرد مخالفة عابرة أو تصرف طائش يرتكبه البعض خلف شاشات الهواتف المحمولة، بل أصبحت واحدة من أخطر الجرائم الإلكترونية التي تهدد أمن المجتمع واستقرار الأفراد، بعدما تحولت إلى وسيلة للنصب والاحتيال والتشهير والابتزاز وهدم الأسر وتدمير السمعة المهنية والاجتماعية للضحايا.
ففي السنوات الأخيرة، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انتشارًا واسعًا للحسابات الوهمية والصفحات المزيفة التي تنتحل أسماء وصور أشخاص حقيقيين، سواء كانوا مواطنين عاديين أو شخصيات عامة أو مسؤولين، بهدف استغلال أسمائهم في جمع الأموال أو خداع المواطنين أو الإساءة إليهم أو الزج بهم في وقائع لا علاقة لهم بها.
ومن هنا جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ليضع حدًا لهذه الفوضى الرقمية، مؤكدًا أن الفضاء الإلكتروني ليس منطقة خارج القانون، وأن كل من يختبئ خلف شاشة هاتف أو جهاز حاسب آلي معتقدًا أنه بعيد عن المساءلة القانونية، سيجد نفسه أمام عقوبات صارمة قد تبدأ بالحبس والغرامة ولا تنتهي عند السجن المشدد في الجرائم المرتبطة بالابتزاز أو النصب أو التهديد.
وتكمن خطورة انتحال الشخصية في أنه لا يستهدف الضحية وحده، بل يمتد ضرره إلى المجتمع بأكمله، إذ قد يستخدم المنتحل الحساب المزيف في استدراج الضحايا والاستيلاء على أموالهم أو نشر أخبار كاذبة أو بث شائعات تثير البلبلة وتؤثر على الأمن المجتمعي. كما قد يلجأ البعض إلى إنشاء حسابات وهمية باسم فتيات أو سيدات لابتزاز المواطنين أو الإساءة إليهم أو الإيقاع بهم في عمليات نصب منظمة.
ولهذا شدد المشرع العقوبات على كل من يتعمد استخدام بيانات الغير أو صورهم أو معلوماتهم الشخصية دون إذن، أو ينشئ مواقع وصفحات إلكترونية بهدف انتحال صفة أشخاص آخرين. فالجريمة هنا لا تتعلق فقط بسرقة اسم أو صورة، بل باعتداء مباشر على الحق في الخصوصية والسمعة والشرف والاعتبار.
ولا يمكن إغفال الدور البارز الذي تقوم به الأجهزة الأمنية المتخصصة في مكافحة الجرائم الإلكترونية، والتي نجحت خلال السنوات الماضية في كشف العديد من الشبكات الإجرامية التي اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي ستارًا لممارسة أنشطة غير مشروعة، بدءًا من النصب الإلكتروني وصولًا إلى الابتزاز والتشهير وانتحال الصفات.
إن أخطر ما في هذه الجرائم أن مرتكبيها يعتقدون أن الأسماء الوهمية وبرامج إخفاء الهوية ستحميهم من الملاحقة، بينما أثبتت الوقائع أن التكنولوجيا التي يستخدمونها في ارتكاب جرائمهم هي ذاتها التي تساعد جهات التحقيق على تتبعهم وكشف هوياتهم وتقديمهم للعدالة.
واليوم أصبح من الضروري أن يدرك الجميع أن إنشاء حساب مزيف أو استخدام صورة شخص دون موافقته أو انتحال صفته لتحقيق منفعة أو إلحاق ضرر به ليس “مزحة إلكترونية” كما يظن البعض، بل جريمة مكتملة الأركان قد تقود صاحبها إلى قفص الاتهام وتضع مستقبله على المحك.
إن حماية الهوية الرقمية أصبحت جزءًا من حماية الأمن الشخصي، ومواجهة هذه الجرائم لا تتطلب فقط قوانين رادعة، بل تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي يرفض تداول الحسابات المجهولة أو الانسياق وراء الصفحات الوهمية. فكما يحمي القانون بطاقة الهوية في الواقع، فإنه يحمي كذلك هوية المواطن في العالم الرقمي، ويلاحق كل من يحاول تزويرها أو استغلالها أو العبث بها.
وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع، تبقى الرسالة واضحة وحاسمة: انتحال الشخصية جريمة خطيرة، والعدالة الإلكترونية أصبحت قادرة على الوصول إلى الجناة مهما ظنوا أن شاشاتهم تحجبهم عن أعين القانون.







