
لم يعد الزواج في العصر الحديث مجرد عقد يكتبه المأذون، أو احتفال يجمع العائلتين، بل أصبح مشروع حياة يحتاج إلى إعداد وتأهيل ووعي حقيقي بالحقوق والواجبات. ومن هنا جاءت فكرة مشروع قانون التأهيل الأسري، الذي يشترط حصول المقبلين على الزواج على برامج تأهيل نفسي واجتماعي وشرعي قبل توثيق العقد، مع منح حافز يتمثل في خصم 50% من رسوم التوثيق. وهي خطوة أثارت جدلًا واسعًا بين مؤيد يرى فيها حماية للأسرة، ومعارض يخشى من تحويل الزواج إلى سلسلة من الإجراءات الإلزامية.
في تقديري، فإن جوهر الفكرة يستحق الدعم، لأن كثيرًا من حالات الطلاق المبكر لا ترجع إلى سوء النية، وإنما إلى غياب الوعي. شباب وفتيات يدخلون الحياة الزوجية دون فهم لطبيعة المسؤولية، أو كيفية إدارة الخلافات، أو حتى إدراك الحدود القانونية والشرعية لحقوق كل طرف. ومن ثم فإن التأهيل ليس رفاهية، بل قد يكون ضرورة اجتماعية تفرضها الظروف الحالية.
لكن في الوقت نفسه، يجب أن يكون التأهيل وسيلة للتمكين لا أداة للتعقيد. فالقانون الناجح هو الذي يحقق التوازن بين حماية الأسرة واحترام حرية الأفراد. فإذا تحولت الدورات إلى عبء إداري أو وسيلة لزيادة الأعباء المالية، فإن الهدف النبيل سيفقد قيمته، وقد يفتح الباب أمام التحايل أو العزوف عن التوثيق الرسمي.
أما فكرة خصم 50% من رسوم توثيق الزواج، فهي رسالة إيجابية من الدولة، تؤكد أن التشريع لا يعتمد فقط على الإلزام والعقاب، وإنما يستخدم أيضًا الحوافز والتشجيع. فحين يشعر الشباب أن الدولة تساعدهم على بناء أسرة مستقرة، فإنهم سيكونون أكثر استعدادًا للمشاركة في برامج التأهيل والاستفادة منها. وقد نص مشروع القانون كذلك على إنشاء برامج معتمدة ومنصة إلكترونية وشهادات تأهيل تكون شرطًا لاستكمال إجراءات التوثيق، في إطار منظومة تستهدف الحد من النزاعات الأسرية والطلاق المبكر.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع لن يقاس بعدد الشهادات الممنوحة، بل بعدد الأسر التي نجحت في تجاوز الخلافات والحفاظ على استقرارها. فالتأهيل الحقيقي لا يصنعه القانون وحده، وإنما تصنعه الثقافة المجتمعية، ودور الأسرة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والتعليمية.
إن الأسرة هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، وكل استثمار في استقرارها هو استثمار في مستقبل الوطن. وإذا كان القانون يسعى إلى إعداد الشباب نفسيًا واجتماعيًا قبل الزواج، فإن هذه الخطوة تستحق الدراسة الجادة والتطوير المستمر، حتى لا يصبح الزواج خمجرد إجراء قانوني، بل بداية واعية لمسيرة حياة تقوم على المسؤولية والاحترام والتفاهم.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد أن نوثق عقود الزواج فقط، أم نريد أن نبني أسرًا قادرة على الاستمرار؟ هنا تكمن قيمة مشروع التأهيل الأسري، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لنجاحه.



