في القضايا الجنائية الكبرى، لا يقف الرأي العام عند أسماء المتهمين فقط، بل يمتد اهتمامه إلى طبيعة الاتهامات والأدلة التي تستند إليها جهات التحقيق. ومن هنا جاءت قضية صبري نخنوخ وبعض المتهمين الآخرين، التي أثارت اهتمامًا واسعًا بعد تداول معلومات عن اتهامات تتعلق بتكوين تشكيل عصابي واستعراض القوة والتلويح بالعنف، وهي اتهامات إن ثبتت قضائيًا فإنها تمثل اعتداءً على الأمن المجتمعي وسيادة القانون.
ووفقًا لما جرى تداوله بشأن التحقيقات، فإن جهات التحقيق تباشر فحص الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، والتي تتعلق – بحسب الاتهامات – باستخدام القوة أو التهديد بها لبث الرعب في نفوس المواطنين وفرض السيطرة والنفوذ خارج إطار القانون. وهي جرائم ينظر إليها المشرع المصري باعتبارها من الجرائم الخطيرة التي تمس الشعور العام بالأمان.
اللافت في القضية أن التقرير الطبي الخاص بالمجني عليه – بحسب ما أثير إعلاميًا – كشف عن إصابات بالغة وآثار بدنية ونفسية تستوجب الوقوف أمامها بجدية، إذ لا تقتصر مثل هذه الوقائع على مجرد مشاجرة عابرة، وإنما تطرح تساؤلات حول مدى خطورة استخدام القوة أو النفوذ في ترهيب الآخرين، وما إذا كانت هناك ممارسات منظمة تهدف إلى فرض الأمر الواقع بالقوة.
ولا شك أن المجتمع المصري شهد خلال السنوات الماضية مواجهة حاسمة مع ظاهرة البلطجة واستعراض القوة، حيث أكدت الدولة مرارًا أن لا أحد فوق القانون، وأن هيبة الدولة لا يمكن أن تسمح بوجود جماعات أو أفراد يسعون إلى فرض نفوذهم بعيدًا عن المؤسسات الشرعية.
إن أهمية هذه القضية لا تكمن فقط في أسماء المتهمين أو طبيعة الاتهامات، وإنما في الرسالة التي تبعث بها العدالة إلى المجتمع بأسره؛ فكل من يثبت تورطه في ممارسة العنف أو الترهيب أو استغلال النفوذ يجب أن يواجه المساءلة القانونية الكاملة، وفي المقابل فإن الأصل الدستوري يظل قائمًا، وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
ويبقى الرهان الحقيقي على نزاهة التحقيقات وشفافية الإجراءات، حتى تتضح الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، بعيدًا عن الشائعات أو الأحكام المسبقة. فالدول القوية لا تُقاس بمدى صرامة العقوبات فقط، بل بقدرتها على تحقيق العدالة وفق القانون، وحماية حقوق الجميع، وضمان ألا تتحول القوة إلى وسيلة لفرض النفوذ أو ترويع المواطنين.
وفي النهاية، فإن أي قضية تتعلق باستعراض القوة أو تكوين تشكيلات إجرامية مزعومة تمثل اختبارًا حقيقيًا لسيادة القانون. وإذا كانت الوقائع المنسوبة للمتهمين صحيحة وثابتة بالأدلة، فإن العقاب يجب أن يكون رادعًا وحاسمًا، أما إذا ثبت خلاف ذلك، فإن القضاء وحده هو صاحب الكلمة الأخيرة، وهو الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة وحماية المجتمع.



