عاجلمقالات

الدكتورة راندا علي تكتب: أطفال التوحد أبطال صامتون وأسر تحمل الجبال فوق أكتافها

في كل بيت يوجد فيه طفل مصاب باضطراب طيف التوحد، هناك قصة لا يراها الكثيرون، قصة من الصبر والمعاناة والأمل، يعيشها أب وأم قررا أن يحاربا من أجل طفل يحتاج إلى فهم مختلف وحب أكبر واحتواء لا ينتهي.

التوحد ليس مرضًا معديًا ولا خللاً في التربية، بل هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر على قدرة الطفل على التواصل والتفاعل الاجتماعي وإدراك العالم من حوله. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن دائمًا في التوحد نفسه، بل في نظرة المجتمع القاصرة، وقلة الوعي، وضعف الخدمات التي يحتاج إليها هؤلاء الأطفال وأسرهم.

تبدأ رحلة المعاناة منذ اللحظة الأولى التي تلاحظ فيها الأسرة أن طفلها مختلف عن أقرانه. تأخر في الكلام، عدم استجابة للنداء، انطواء، حركات متكررة أو صعوبة في التواصل البصري. هنا تبدأ رحلة البحث بين الأطباء والمراكز والاختبارات، وسط حالة من القلق والخوف والإنكار أحيانًا.

وعندما يأتي التشخيص، تشعر الأسرة وكأنها تقف أمام جبل ضخم عليها أن تتسلقه وحدها. فالأب يفكر في المستقبل، والأم تحمل هم العلاج والتأهيل، بينما يعيش الإخوة حالة من التكيف مع واقع جديد يفرض نفسه على الجميع.

الكثير من الأسر تضطر إلى إنفاق معظم دخلها على جلسات التخاطب والعلاج السلوكي والتكامل الحسي والمتابعة الطبية، والتي قد تمتد لسنوات طويلة. وهناك أسر تلجأ إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها حتى توفر لأبنائها فرصة أفضل للحياة.

أما الأم، فهي الجندي المجهول في هذه المعركة. تستيقظ قبل الجميع، تتابع جلسات العلاج، تحاول تعليم طفلها أبسط المهارات اليومية، وتتحمل نظرات الناس وأسئلتهم المؤلمة، وفي كثير من الأحيان تضحي بعملها وحياتها الاجتماعية من أجل طفلها.

ولا يمكن إنكار أن المجتمع ما زال بحاجة إلى وعي أكبر. فكم من طفل توحد تعرض للتنمر لأنه لا يتحدث مثل الآخرين؟ وكم من أم سمعت عبارات جارحة مثل: “ابنك مش طبيعي” أو “أنتِ دلعتيه زيادة”؟ هذه الكلمات قد تكون أكثر إيلامًا من المرض نفسه، لأنها تزيد من عزلة الأسرة وتشعرها بأنها تواجه العالم بمفردها.

إن أطفال التوحد ليسوا عاجزين، بل يملكون قدرات استثنائية في كثير من المجالات. بعضهم يتمتع بذاكرة قوية، وآخرون يمتلكون مواهب فنية أو مهارات رياضية أو قدرات عالية في الرياضيات والبرمجة والرسم والموسيقى. لكن هذه المواهب تحتاج إلى من يكتشفها ويؤمن بها.

لقد أثبتت التجارب أن التدخل المبكر والدعم النفسي والتعليمي يمكن أن يحدثا فارقًا كبيرًا في حياة الطفل. فالطفل الذي يحصل على الرعاية المناسبة يستطيع أن يتعلم ويعمل ويشارك في المجتمع ويحقق نجاحات تفوق التوقعات.

ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة والمجتمع لا تقل أهمية عن مسؤولية الأسرة. نحن بحاجة إلى زيادة عدد مراكز التأهيل الحكومية، وتوفير برامج دمج حقيقية داخل المدارس، وتدريب المعلمين على التعامل مع أطفال التوحد، وإطلاق حملات توعية مستمرة لتغيير المفاهيم الخاطئة التي ما زالت تلاحقهم.

كما يجب أن يحصل أولياء الأمور على دعم نفسي واجتماعي، لأنهم يخوضون معركة يومية تستنزف طاقتهم ومشاعرهم. فالأم التي تبكي في صمت لأنها تخشى على مستقبل ابنها، والأب الذي يعمل لساعات طويلة لتوفير نفقات العلاج، كلاهما يستحق أن يجد مجتمعًا يسانده لا أن يتركه وحيدًا.

إن أطفال التوحد ليسوا حالة تستدعي الشفقة، بل هم جزء أصيل من المجتمع، لهم الحق في الحب والتعليم والرعاية والاحترام. والاختلاف ليس نقصًا، بل هو شكل آخر من أشكال التميز الإنساني.

وفي النهاية، أقول لكل أسرة لديها طفل من أطفال التوحد: أنتم لستم وحدكم. قد تكون الطريق طويلة، وقد تكون المعاناة كبيرة، لكن كل خطوة يحققها طفلكم هي انتصار يستحق الفخر. فهؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى من يغيرهم، بل إلى مجتمع يتعلم كيف يفهمهم ويحتضنهم.

فربما يكون الطفل الذي لا يستطيع التعبير عن مشاعره بالكلمات اليوم، هو نفسه من يدهش العالم بموهبته غدًا. والأمل، مهما طال الطريق، يبقى دائمًا أقوى من الألم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى