عاجلمقالات

أحمد سلام يكتب: لسنا تجار سياسة نحن نتاجر مع الله

في زمن اختلطت فيه النوايا، وأصبح البعض يتاجر بكل شيء حتى بوجع الفقراء واحتياجات البسطاء، ما زال في الصعيد رجال يعرفون معنى العطاء الحقيقي، ويؤمنون أن الصدقة ليست وسيلة دعاية، ولا بابًا للشهرة، ولا سلّمًا للصعود إلى البرلمان أو المناصب الحزبية.

كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، ثم عيد الفطر، ثم عيد الأضحى، وحتى في المولد النبوي الشريف، تتحرك قلوب أهل الصعيد قبل أيديهم. تُذبح الذبائح، وتُجهز الشنط، وتُقسَّم اللحوم، وتُطرق الأبواب في هدوء شديد، دون كاميرات، ودون لافتات، ودون سيارات تحمل صور مرشحين أو شعارات أحزاب تبحث عن لقطة انتخابية رخيصة

لأننا ببساطة تربينا على أن “الخير كلما اختفى كبر عند الله”، وأن الفقير لا يجب أن يشعر لحظة أنه مادة للإعلان أو وسيلة لتحقيق مصالح سياسية.

للأسف، أصبحت بعض الأحزاب وبعض من يسعون إلى عضوية مجلس النواب يتعاملون مع مواسم الخير باعتبارها موسم دعاية مفتوح. فتجد صور المرشحين تسبق اللحوم، واللافتات أكبر من قيمة المساعدة نفسها، وكأن المقصود ليس إطعام محتاج، بل إخبار الناس أن فلانًا وزع كذا وكذا.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية…

حين يتحول العمل الإنساني إلى استعراض، ويتحول المحتاج إلى أداة في معركة الشعبية والنفوذ.

أما نحن أبناء الصعيد، فلم نتعلم يومًا هذا الأسلوب. نحن نرى أن يد الفقير يجب أن تُصان، وأن كرامته فوق أي دعاية أو مصلحة. ولذلك كثير من أهل الصعيد يخرجون ليلًا لتوزيع اللحوم حتى لا يراهم أحد، وكثيرون يرسلون الأضاحي إلى البيوت دون أن يعرف أصحابها من أرسلها.

هذه ليست مبالغة، بل حقيقة يعرفها كل من عاش في قرى الصعيد ونجوعه.

في الصعيد، الكرم ليس مناسبة موسمية، بل أسلوب حياة.

الطفل يتربى منذ صغره على أن الطعام لا يؤكل وحده، وأن الجار له حق، وأن الفقير شريك في الرزق، وأن “اللقمة التي لا يشاركك فيها غيرك لا بركة فيها”.

ولذلك لا يوجد بيت في الصعيد إلا ويفتح أبوابه لغيره، ولا توجد مائدة إلا ويجلس حولها القريب والغريب، ولا توجد أضحية إلا ويخرج جزء كبير منها للمحتاجين قبل أن يدخل منها شيء إلى ثلاجة صاحبها.

نحن أبناء الصعيد لا نحسب الخير بالأصوات الانتخابية، ولا بعدد المنشورات على مواقع التواصل، ولا بعدد الصور التي تُلتقط بجوار اللحوم. نحن نحسبها عند الله فقط.

نحن نتاجر مع الله… وهذه أعظم تجارة.

نعرف جيدًا أن الدنيا زائلة، وأن المناصب لا تدوم، وأن الكراسي تأتي وتذهب، لكن ما يبقى حقًا هو دعوة صادقة من أم فقيرة، أو دمعة فرح في عين يتيم، أو شعور إنسان بسيط أن هناك من تذكره في أيام الخير

ولهذا ستظل عادات الصعيد عصية على التغيير، مهما حاول البعض تحويل الخير إلى “شو إعلامي” أو وسيلة للوصول إلى البرلمان. لأن أهل الصعيد لديهم قناعة راسخة أن الكرم قيمة، وليس حملة انتخابية.

نحن لا ننتظر شكرًا من أحد، ولا نريد من الناس أن تهتف بأسمائنا، ولا نسعى لعضوية مجلس نواب أو منصب داخل حزب. من يريد السياسة فليذهب إليها ببرنامجه وأفكاره وخدمته الحقيقية للناس، لا بكيلو لحمة وصورة أمام الكاميرات.

فالفقير ليس بطاقة انتخابية، والمحتاج ليس وسيلة دعاية.

وفي النهاية، سيظل هناك فارق كبير بين من يعطي لأن قلبه ممتلئ بالرحمة، ومن يعطي لأن عينه على صندوق الانتخابات.

الأول يترك أثرًا في الأرض والسماء

والثاني ينتهي بانتهاء الموسم والصور والمنشورات.

نحن أبناء الصعيد سنظل كما نحن

نعطي في صمت، ونساعد في الخفاء، ونؤمن أن أفضل الصدقات هي التي لا تعلم بها اليد الأخرى.

هذه هي أخلاقنا

وهذا هو الصعيد الذي نعرفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى