ليست كل الظواهر الجديدة دليلًا على التطور، وليست كل الأفكار التي تنتشر عبر مواقع التواصل تستحق أن تجد مكانًا داخل المجتمع المصري. فهناك ممارسات تثير الجدل لأنها تمس واحدة من أقدس المؤسسات التي عرفتها الإنسانية، وهي مؤسسة الأسرة، التي جعلها الإسلام قائمة على السكينة والمودة والرحمة، لا على الإثارة وصناعة الترند.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس الجريمة التقليدية فقط، وإنما محاولات تفريغ القيم من مضمونها، وتحويل الثوابت إلى مادة للسخرية أو الاستعراض. وعندما يصبح الزواج، وهو الميثاق الغليظ، وسيلة لتحقيق الشهرة أو جذب المشاهدات أو إثارة الضجة، فإن الخطر لا يقف عند حدود الواقعة نفسها، بل يمتد إلى تشويه وعي الشباب، وإضعاف احترامهم لمعنى الأسرة ومسؤوليتها.
إن المجتمع المصري، الذي ظل لعقود طويلة متمسكًا بقيمه الدينية والاجتماعية، لا يحتمل المزيد من الظواهر التي تهز ثوابته. فالتهاون مع أي سلوك يسيء إلى مكانة الزواج أو يفرغه من قيمته الحقيقية يفتح الباب أمام مزيد من الانفلات الفكري والأخلاقي، ويمنح أصحاب الإثارة رسالة خاطئة مفادها أن كل شيء مباح طالما حقق انتشارًا.
ولا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى مظلة لتسويق كل ما يصدم الضمير العام أو يثير الفوضى. فالحرية الحقيقية تقترن بالمسؤولية، والدستور والقانون يكفلان الحقوق، لكنهما كذلك يحميان النظام العام والآداب العامة، ويمنحان الدولة حق التدخل إذا اقترنت أي ممارسات بمخالفات قانونية أو اعتداء على حقوق الآخرين.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع؛ الأسرة التي تربي، والمدرسة التي تغرس القيم، والإعلام الذي يجب أن يميز بين حرية النشر والترويج لما يثير الجدل دون قيمة، والمؤسسات الدينية التي يقع على عاتقها بيان الأحكام الشرعية بالحكمة والعلم، والجهات المختصة التي يجب أن تطبق القانون بحزم متى ثبتت أي مخالفة.
إن معركة الحفاظ على هوية المجتمع لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأن انهيار القيم يبدأ بخطوات صغيرة، ثم يتحول إلى واقع يصعب تغييره. لذلك فإن التصدي لكل ظاهرة تمس قدسية الأسرة ليس تشددًا، بل دفاع عن هوية وطن، واحترام لدين، وصيانة لمؤسسة هي أساس استقرار المجتمع كله.
إن مصر لا تبنى فقط بالمشروعات والإنجازات، وإنما تبنى أيضًا بحماية قيمها وأخلاقها. وكل محاولة للمساس بهذه القيم تستحق المواجهة بالحجة، والوعي، وتطبيق القانون حيثما وُجدت مخالفة، حتى تبقى الأسرة المصرية حصنًا منيعًا في وجه كل ما يهدد استقرارها أو يشوه رسالتها.







