مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها …
بين الـمَساحة والبخّاخَة..
كيف تتحول الصروح الكبرى
إلى “سبوبة” عشوائية؟
منذ متى كان الرُقي مجرد جدران خرسانية، ومنذ متى كانت الفخامة تُقاس بارتفاع المبنى لا بمستوى الخدمة وآدمية التعامل؟ إن ما يحدث اليوم في بعض مؤسساتنا ومراكزنا التجارية الكبرى التي ملأت الدنيا صخباً باسمها وتاريخها، يعكس أزمة إدارة حقيقية، وتحولاً خطيراً في العقيدة التسويقية والخدمية، حيث تحولت هذه الصروح الفخمة فجأة، ومن خلف ظهر ملاكها أو بعلمهم، من واحات هادئة هرب إليها المواطن من صخب وعشوائية الشارع، إلى ساحات خلفية لإعادة إنتاج الفوضى والابتزاز المقنن، تحت شعار “سحب الأموال من جيوب الزائرين” بأي ثمن وبأرخص الوسائل.
بدأت المأساة من خلال ترددى على بعض المولات الشهيرة والكبيرة والتى تسمى نفسها…. بمدن النجوم… ومراكز المدينة.. فى مناطق ….مدينه نصر …..والأخر على اول طريق السويس ….
العتبة الأولى للمكان، حيث تنقلب الآية وتتحول بوابات الاستقبال التي كانت رمزاً للنظام والنظافة والترحاب، إلى كمائن مرعبة يقودها “سايس بزي رسمي” يطاردك لجمع رسوم ركن السيارات، يرافقه مشهد عشوائي لمغسلة سيارات غريبة تنشر المياه الملوثة والفوضى في جراج كان يُفترض أنه يعكس فخامة المكان، لتكتشف أنك لم تترك عشوائية الشارع بالخارج، بل إن الشارع بكل فوضاه قد تم الترحيب به واستضافته في الداخل، لتصعد بعدها عبر سلالم لم تعد ببريقها القديم، وتصطدم بجيوش من العمالة الجديدة التي تركت مهامها الأساسية في الحفاظ على المظهر العام، وتفرغت لترديد عبارة واحدة لا تنقطع “كل سنة وأنت طيب” في ابتزاز علني واضح وصريح.
ويتجسد قمة هذا الانهيار في أبسط الحقوق الآدمية للزائر، وهي دورات المياه، التي تحولت إلى “إقطاعيات خاصة” يديرها أشخاص يراقبونك كصياد يحدد هدفه، يغلقون الأبواب بأيديهم ويتظاهرون بأنها مشغولة، حتى إذا ما اقتربت استعرضوا أمامك حركات بهلوانية سريعة بالرش والمعطر والفوطة، لا لنظافة المكان، بل ليفرضوا عليك إتاوة إجبارية عند الخروج، وهو نفس السيناريو السريالي الذي يتكرر بحذافيره في منطقة المطاعم “الفود كورت”، حيث تتبعثر الكراسي وتختفي الطاولات بفعل فاعل، لتتحول إلى فريسة لعمال ينقضون عليك بـ “عدة النصب الآمن” المتمثلة في تلك (المساحة والبخاخة والمعطر)، وكأنهم سحرة يملكون مفاتيح الجلوس، ليصبح المكان الراقِ طارداً لرواده، ومصدراً للطاقة السلبية والازعاج.
وإذا ما نظرنا إلى عمق الكارثة من زاوية اقتصادية بحتة، سنجد أن هذا السلوك الطارد للمواطن يمثل طعنة مسمومة في قلب الاستثمار داخل المول؛ فالزائر الذي يدخل مكاناً فخماً ليتسوق ويدفع آلاف الجنيهات في متاجر البراندات العالمية والمحلات المستأجرة، حين يتم “تطفيشه” وإهانة آدميته من قِبل عمالة عشوائية تبحث عن فكة أو مليم، سيتخذ قراراً فورياً بعدم العودة مرة أخرى، وهو ما يترتب عليه تراجع القوة الشرائية، وكساد حركة البيع، وإلحاق خسائر فادحة بالمستأجرين الذين يدفعون للمول ملايين الجنيهات كإيجارات سنوية مقابل واجهة راقية ونظيفة تجذب وتضمن لهم العميل الراقِ، لتكون النتيجة الحتمية هي هروب المستثمرين وأصحاب المحلات تدريجياً، ليفقد الصرح ميزته التنافسية ويتحول إلى مجرد مبنى مهجور تسكنه العشوائية والبلطجة المقنعة.
وهنا نوجه السؤال الصادم والمشروع لإدارات هذه المؤسسات الكبرى …
هل انعدمت الموارد لديكم إلى هذا الحد الذي يجعلكم تؤجرون الجراجات والممرات لعمالة تسيء لسمعتكم؟ هل أنتم بحاجة لملاليم المغاسل والبلطجة المقنعة لتخسروا في المقابل ملايين الجنيهات التي كان يضخها رواد يشترون من المحلات التي تدفع لكم آلاف الإيجارات؟ إن ما تفعله هذه الإدارات هو قصر نظر تجاري فادح، حيث يستخسرون تكلفة الخدمة النظيفة والرقابة الصارمة، من أجل مكاسب وهمية سريعة، متناسين أن السمعة التي بُنيت في سنوات يمكن أن تنهار في لحظات، وأن الزبون الذي يهرب اليوم بسبب شحاتة مقنعة، لن يعود غداً ليدفع جنيهاً واحداً في متاجركم.
إنها صرخة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس فقط في هذا المركز التجاري، بل في كل مؤسسة مصرية كبرى بدأت تكره تقديم الخدمة للمواطن، وبدأت تتعامل مع راحة الإنسان كعبء ثقيل تتخلص منه بالخصخصة العشوائية وترك الحبل على الغارب لعمالة تبتز البشر، فالشعوب لا تحترم الكيانات لمجرد حجمها، بل بمدى احترام هذه الكيانات لآدمية الإنسان ونظافة الخدمة المقدمة له مجاناً وبكرامة.
تحياتى ومن عندياتى،،،،،
*قرمشة:
– الرُّقي لا يُقاس بارتفاع الخرسانة في السماء، بل بانخفاض مؤشر العشوائية في التعامل مع البشر….
– أن تبيع سُمعة صرحٍ بـمليارات مقابل ‘فكة’ الابتزاز، هو أسوأ صفقة استثمارية يخسر فيها العقلاء ملايين الغد من أجل ملاليم اليوم…
– حين تفتح الصروح الكبرى أبوابها للفوضى المقننة، يصبح الشارع في الداخل، والمواطن غريباً يبحث عن آدميته المفقودة خلف جدران الفخامة…
– إن العمالة التي تطارد الزائر بـ ‘بّخاخة ومساحة’ لتسول النظافة، هي ذاتها التي تكنس المستثمرين وتطرد البراندات العالمية خارج أسوار المكان…
– الكيانات الكبرى لا تسقط بنقص الميزانيات، بل بـسقوط الأخلاقيات الخدمية، وتحول بوابات الاستقبال الراقية إلى كمائن للابتزاز الآمن….
ان شاء الله فى المرة القادمة حنتكلم عن سلوك المواطن وارتباطه بسلوك و نظافة المكان هل المواطن اولا …ولا المكان اولا
فى ضبط السلوك والنظافة العامة ….
إلى اللقاء،،،






