حوادث وقضاياعاجل

أموال الزوجة بعد الزواج.. مفتى الجمهورية يوضح موقف الشرع والقانون: الذمة المالية للزوجين مستقلة تمامًا

كتبت- فاطمة السبكي

ما حكم الشرع الشريف في استقلال الذمة المالية بين الزوجين؟ سؤال يتردد بين الحين والآخر، ويثير حالة من الجدل أحيانًا، لكن الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أجاب عنه بالتفصيل، لحسم أي نقاط جدلية قد يثيرها البعض.

 

لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة

وأكد المفتي أن لكلِّ واحد من الزوجين ذمةً ماليةً مستقلةً استقلالًا تامًّا عن الآخر، وتشمل جميع أمواله، سواء كانت أموالًا سائلة أو عقارات أو أسهمًا أو غير ذلك من صور المال المختلفة، وتظل الملكية الخاصة لكل منهما ثابتةً ومصونةً، بحيث لا تتأثر بمجرد قيام عقد الزواج بينهما، ولا يثبت لأحدهما، بموجبه، في مال الآخر حقٌّ إلا ما رتبه الشرع أو اتفقا عليه في الحدود المعتبرة شرعًا.

 

ومن المقرر شرعًا أن نظام أموال الزوجين في الإسلام هو نظام استقلال ذمة كل منهما ماليًّا عن الآخر، فللزوجة أهليتها في التعاقد وحقها في التملك، ولها الحق في تحمل الالتزامات وإجراء مختلف العقود، محتفظةً بحقها في التملك، وهي مستقلة في ذلك عن زوجها.

 

القرآن الكريم يؤكد استقلال الملكية

ويستند هذا الأصل إلى ما قررته الشريعة من اختصاص كل إنسان بما يثبت له من الأموال، سواء أكان هذا المال ناشئًا عن سعيه وكسبه، أم آل إليه بسبب من أسباب الملك المعتبرة شرعًا، كالهبة والإرث ونحو ذلك.

 

قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32].

 

ومن أظهر التطبيقات الدالة على هذا الأصل: نظام الإرث؛ فإن الله سبحانه وتعالى لما جعل لكل فرد نصيبًا معلومًا مفروضًا، يثبت له على وجه الاختصاص، ويدخل في ملكه وذمته المالية استقلالًا، فلا يفضي اجتماعُ الورثة في سبب الإرث، ولا قيامُ رابطة النسب أو القرابة أو المصاهرة بينهم، إلى اختلاط أنصبتهم أو اندماج حقوقهم المالية، بل يستقل كل وارث بنصيبه الشرعي استقلالًا تامًّا، ويثبت له من سلطان الملك ما يثبت لكل مالك في ملكه، فلا يشاركه فيه غيره إلا بسبب شرعي جديد ناقل للملكية.

 

قال الإمام أبو السعود في «إرشاد العقل السليم» (2/ 172، ط. دار إحياء التراث العربي): [لكلٍّ من الفريقين في الميراث نصيبٌ معينُ المقدارِ مما أصابه بحسب استعدادِه، وقد عُبِّر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيهِ اقتضاءِ حالِه لنصيبه باكتسابه إياه؛ تأكيدًا لاستحقاق كل منهما لنصيبه، وتقويةً لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره] اهـ.

 

وجاء في «التفسير الوسيط» للدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق: [لكلٍّ من فريقي الرجال والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه من أعمال، ونصيب معين فيما ورثوه أو أصابوه من أموال] اهـ.

 

المهر دليل على استقلال الذمة المالية

ومما يؤكد استقلال الذمة المالية للزوجين: ما قرره الفقهاء في أحكام الصداق، من أن المهر متى ثبت للزوجة ودخل في ملكها صار حقًّا ماليًّا خالصًا لها، فلا يملك الزوج إسقاطه بغير رضاها.

 

فلو كانت الذمة المالية للزوجين واحدة، أو كان عقد الزواج مقتضيًا لاندماج أموالهما، لما توقف إسقاط الصداق والعفو عنه كليًّا أو جزئيًّا على إرادة الزوجة وموافقتها، ومن ثم كان ذلك دليلًا بينًا على انفرادها بملكيته.

 

قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4].

 

قال الإمام ابن قدامة في «المغني»: [إذا عَفَت المرأةُ عن صداقها الذي لها على زوجها أو عن بعضه أو وهبته له بعد قبضه وهي جائزة الأمر في مالها -جاز ذلك وصح، ولا نعلم فيه خلافًا] اهـ.

 

السنة النبوية تؤكد استقلال الملكية

وقد جاءت السنة النبوية مؤكدةً للمعاني السابقة من ثبوت هذا الاستقلال في ملك المال، فعن حبان بن أبي جبلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، أخرجه الإمامان الدارقطني والبيهقي في «السنن الصغرى» و«السنن الكبرى».

 

المجمع الفقهي يؤكد استقلال الذمة المالية للزوجة

وبنحو هذا صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، رقم 144 (2/ 16)، في دورته السادسة عشرة المنعقدة بدبي، في الفترة من 30 صفر 1426هـ، الموافق 9 إبريل 2005م، إلى 5 ربيع الأول 1426هـ، الموافق 14 إبريل 2005م.

 

وجاء فيه: [للزوجة الأهلية الكاملة والذمة المالية المستقلة التامة، ولها الحق المطلق في إطار أحكام الشرع بما تكسبه من عملها، ولها ثرواتها الخاصة، ولها حق التملك وحق التصرف بما تملك، ولا سلطان للزوج على مالها، ولا تحتاج لإذن الزوج في التملك والتصرف بمالها] اهـ.

 

محكمة النقض: الزواج لا يرتب حقًا في أموال الآخر

كما نصت أحكام محكمة النقض المصرية في (الطعن رقم 6294 لسنة 80 قضائية «أحوال شخصية» – جلسة 8/ 12/ 2017م) على أن: [الزواج في الشريعة الإسلامية لا يُرتِّب أيَّ حق للزوجين في أموال الآخر عدا ما رتبه للزوجة من مهر ونفقة؛ إذ لكل منهما ذمته المالية المستقلة المنفصلة، فلا يَحكم عقدُ الزواج المعاملاتِ المالية بين الزوجين، وإنما يسري عليها القواعد العامة في القانون بحسب التَّكييف القانوني لكل معاملة] اهـ.

 

الخلاصة: الزواج لا يدمج أموال الزوجين

وبناءً على ذلك، وفي واقعة السؤال، فإن لكلِّ واحد من الزوجين ذمةً ماليةً مستقلةً استقلالًا تامًّا عن الآخر، وتشمل جميع أمواله، سواء كانت أموالًا سائلة أو عقارات أو أسهمًا أو غير ذلك من صور المال المختلفة.

 

وتظل الملكية الخاصة لكل منهما ثابتةً ومصونةً، بحيث لا تتأثر بمجرد قيام عقد الزواج بينهما، ولا يثبت لأحدهما، بموجبه، في مال الآخر حقٌّ إلا ما رتبه الشرع أو اتفقا عليه في الحدود المعتبرة شرعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى