
بدأت أسواق القهوة والكاكاو العالمية تستعد لمرحلة جديدة من التقلبات، مع تصاعد المخاوف من تأثير ظاهرة «إل نينيو» المناخية على المحاصيل خلال خريف وشتاء 2026-2027، في وقت كانت فيه الأسواق قد بدأت بالفعل التنفس بعد موجة الارتفاعات القياسية التي شهدتها أسعار السلعتين خلال عامي 2024 و2025.
ورغم أن مؤشر المشروبات التابع للبنك الدولي، والذي يجمع أسعار القهوة والكاكاو والشاي، تراجع بنحو الثلث خلال الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ويتوقع البنك أن ينهي المؤشر العام الحالي منخفضًا بنحو 30% عن مستويات 2025، فإن التطورات المناخية الأخيرة أعادت القلق إلى الأسواق.
وتأتي المخاوف الجديدة في مقدمتها احتمالات وصول «إل نينيو» إلى مستوى قوي للغاية. ووفق مركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية «نوا»، تتجاوز احتمالات بلوغ الظاهرة مستوى شديد القوة خلال خريف وشتاء 2026-2027 نسبة 90%.
وتكمن خطورة «إل نينيو» بالنسبة للقهوة والكاكاو في الطبيعة الاستوائية لهذه المحاصيل، إلى جانب تركّز إنتاجها العالمي في عدد محدود من الدول والمناطق، ما يجعل أي تغير حاد في درجات الحرارة أو الأمطار قادرًا على التأثير سريعًا في حجم المعروض العالمي والأسعار.
القهوة.. البرازيل في قلب المعادلة
ظهرت بوادر التوتر بالفعل في سوق القهوة، بعدما سجلت أسعار البن «أرابيكا» في 18 أغسطس الماضي أعلى مستوى لها خلال ستة أشهر ونصف، عقب ارتفاع تجاوز 5%، وذلك في الوقت الذي تأخرت فيه عمليات حصاد المحصول البرازيلي لموسم 2026-2027.
وبحلول منتصف أغسطس، كانت البرازيل قد أكملت نحو 90% من عملية الحصاد، مقارنة بنحو 97% في الفترة نفسها من العام السابق، ما أثار مخاوف من استمرار ضغوط المعروض.
وتكتسب البرازيل أهمية استثنائية لأنها أكبر منتج للقهوة العربية عالميًا، بينما تمثل فيتنام مركزًا رئيسيًا لإنتاج قهوة «روبوستا». كما تعد إندونيسيا من اللاعبين المهمين في سوق الروبوستا، وهو ما يجعل الظروف المناخية في هذه الدول ذات تأثير مباشر على الأسعار العالمية.
وتشير التوقعات إلى أن تأثير «إل نينيو» لن يكون موحدًا على جميع مناطق الإنتاج. فقد تستفيد بعض مناطق البرازيل من زيادة الأمطار، بينما قد تواجه فيتنام وإندونيسيا مخاطر أكبر مرتبطة بالحرارة و الجفاف، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توزيع الضغوط داخل سوق القهوة بدلًا من اختفائها.
الكاكاو.. غرب أفريقيا تحت ضغط الطقس
وفي سوق الكاكاو، تبدو المخاطر أكثر وضوحًا بسبب الاعتماد الكبير على غرب أفريقيا. فقد ارتفعت الأسعار إلى أكثر من 6300 دولار للطن في بداية سبتمبر، بعدما كانت قد سجلت نحو 6000 دولار في بداية أغسطس، أي ضعف أدنى مستوى سجلته في مارس.
وجاءت هذه الارتفاعات في أعقاب الفيضانات التي أثرت على المحاصيل في ساحل العاج وغانا، وهما من أهم منتجي الكاكاو عالميًا، في منطقة توفر نحو 70% من الإمدادات العالمية.
وتشير الدراسات إلى أن الظواهر المناخية القوية المرتبطة بـ«إل نينيو» يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على إنتاج الكاكاو. كما أن تجربة موسم 2023-2024 لا تزال حاضرة في الأسواق، عندما أدت الأمطار الغزيرة أولًا، ثم موجات الحرارة والرياح الجافة، إلى اضطراب المحاصيل ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ولا يتعلق الخطر بالمحصول الحالي فقط، بل بالموسم المقبل أيضًا، وهو ما يجعل المتعاملين في الأسواق أكثر حساسية لأي توقعات مناخية جديدة.
أوروبا أمام معادلة أكثر تعقيدًا
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المنتجين والأسواق العالمية، بل تمتد مباشرة إلى أوروبا، التي تعد سوقًا رئيسيًا للكاكاو القادم من غرب أفريقيا. ويستورد الاتحاد الأوروبي نحو ثلثي صادرات الكاكاو من المنطقة، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير ذا تأثير واضح على صناعة الشوكولاتة الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، تواجه شركات الكاكاو الأوروبية تحديًا إضافيًا يتمثل في قواعد مكافحة إزالة الغابات، التي تفرض متطلبات أكثر صرامة لتتبع المنتج وصولًا إلى المزرعة التي تمت زراعته فيها.
ويحاول القطاع تسجيل آلاف المزارع الصغيرة وتحديد مواقعها جغرافيًا لضمان توافق صادراتها مع القواعد الأوروبية، إلا أن صعوبة توفير كميات كافية من الكاكاو المعتمد قد تخلق علاوة سعرية جديدة، وتزيد الضغط على السوق الأوروبية.
المستهلك يدفع فاتورة التقلبات
وتظهر آثار ارتفاع أسعار الكاكاو والقهوة في أسعار المنتجات النهائية. فقد تراجع الاستهلاك العالمي من الشوكولاتة بنسبة 4.4% خلال الربع المالي الممتد من مارس إلى مايو، وفق بيانات شركة «باري كاليبو»، أكبر منتج للشوكولاتة في العالم.
وفي المقابل، رفعت الشركة أسعار منتجاتها بنحو 19.5%، في محاولة لتعويض ارتفاع تكاليف المواد الخام، وهو ما يوضح الفجوة الزمنية بين انخفاض أو ارتفاع أسعار السلع في الأسواق العالمية وبين انعكاسها على المستهلك.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» إلى أن ارتفاع أسعار الكاكاو ينتقل إلى أسعار الشوكولاتة في الاتحاد الأوروبي خلال أقل من ثلاثة أشهر، بينما يمكن أن تستمر الأسعار المرتفعة للمستهلكين لمدة تصل إلى 18 شهرًا. أما انخفاض الأسعار العالمية فيحتاج عادة إلى وقت أطول حتى يصل إلى المتاجر.
وفي إسبانيا، بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على تراجع الضغوط، إذ انخفضت أسعار مجموعة القهوة والكاكاو والمشروبات العشبية في مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.5% على أساس سنوي في يوليو 2026، وبنحو 2% منذ بداية العام.
لكن هذا الانخفاض قد يكون مهددًا إذا تحولت توقعات «إل نينيو» إلى صدمة فعلية في المحاصيل.
تقلبات الأسعار قد تصبح القاعدة
وتكشف أزمة القهوة والكاكاو عن مشكلة أعمق من مجرد ظاهرة مناخية مؤقتة. فدراسة لمنظمة «فاو» تشير إلى أن صدمات العرض والطلب تفسر نحو 93% من التقلبات قصيرة الأجل في أسعار القهوة، ونحو 89% من تقلبات أسعار الكاكاو، بينما يؤدي التركيز الجغرافي للإنتاج إلى تضخيم تأثير هذه الصدمات.
ومع انخفاض المخزونات، وبطء توسع مزارع البن والكاكاو، وصعوبة زيادة الإنتاج بسرعة لمواجهة الطلب، يصبح الطقس عاملًا حاسمًا في تحديد الأسعار.
وبالتالي، فإن «إل نينيو» لا يمثل مجرد تهديد لموسم زراعي واحد، بل اختبارًا جديدًا لقدرة أسواق القهوة والكاكاو على التعامل مع تغير المناخ وتركز الإنتاج عالميًا.
فحتى إذا استمرت الأسعار في 2026 دون مستوياتها القياسية السابقة، فإن الأسواق قد تدخل مرحلة يصبح فيها الاستقرار قصير الأجل، بينما تظل أي موجة حرارة أو جفاف أو أمطار استثنائية قادرة على إعادة إشعال الأسعار، من المزارع في البرازيل وغرب أفريقيا إلى رفوف المتاجر الأوروبية.







