لم تعد المواجهة مع تجار المخدرات والأسلحة غير المرخصة مجرد حملات تقليدية تنتهي بضبط بضعة متهمين أو كميات محدودة من السموم، بل نحن أمام حرب أمنية ممتدة تستهدف رأس الشبكة ومخازنها وطرق إمدادها ومصادر سلاحها.
والضربة الأخيرة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية تحمل أرقامًا تكشف حجم الخطر: أكثر من نصف طن من المواد المخدرة المتنوعة، ونحو 350 ألف قرص مخدر ومؤثر، و114 قطعة سلاح ناري، ومخدرات تقدر قيمتها بنحو 161 مليون جنيه. كما أسفرت العملية عن مصرع 3 عناصر جنائية شديدة الخطورة وضبط باقي عناصر البؤر الإجرامية المستهدفة.
هذه ليست مجرد أرقام في بيان أمني، وإنما كميات كان يمكن أن تجد طريقها إلى الشوارع وبين الشباب، وأسلحة غير مرخصة كان من الممكن استخدامها في جرائم أخرى.
ضرب المنظومة قبل وصول السموم إلى الشارع
ما يستحق التوقف أمامه في هذه العملية هو مفهوم الضربة الاستباقية.
بحسب التفاصيل المعلنة، أكدت التحريات قيام بؤر إجرامية في عدد من المحافظات بجلب المخدرات والأسلحة النارية غير المرخصة تمهيدًا للاتجار بها، قبل استهدافها عقب تقنين الإجراءات وبمشاركة قطاع الأمن المركزي.
ومن وجهة نظري، هنا تكمن أهمية المواجهة الحديثة للمخدرات: ألا تنتظر الأجهزة الأمنية وصول السم إلى المستهلك، وإنما تتحرك إلى شبكات الجلب والتخزين والتوزيع نفسها.
161 مليون جنيه.. رقم يكشف حجم التجارة
عندما نتحدث عن مخدرات قيمتها تقترب من 161 مليون جنيه في ضربة واحدة، فإننا نتحدث عن نشاط إجرامي يمتلك تمويلًا وشبكات توزيع وقدرة على الحركة والتخزين.
والأخطر أن المخدرات لم تكن وحدها في المشهد.
وجود 114 قطعة سلاح ناري متنوعة إلى جوار هذه الكميات من المواد المخدرة يعكس الارتباط الخطير بين تجارة السموم والسلاح غير المرخص؛ فشبكات الجريمة المنظمة لا تحمي تجارتها بالكلمات، وإنما تعتمد في كثير من الأحيان على القوة والسلاح والعنف.
ومن هنا فإن ضبط السلاح لا يقل أهمية عن ضبط المخدرات نفسها.
محمد زهير.. استمرار المواجهة مع أباطرة الكيف
وفي هذا الملف، تتواصل جهود قطاع مكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة، ضمن منظومة عمل تشارك فيها قطاعات وأجهزة متعددة بوزارة الداخلية.
ويبرز اسم اللواء محمد زهير في قيادة ملف مكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة، في وقت تتوالى فيه الضربات الموجهة إلى بؤر الجلب والاتجار.
لكن النجاح الحقيقي في هذا النوع من الملفات لا يُقاس باسم شخص وحده، وإنما بقدرة المنظومة الأمنية كاملة على جمع المعلومات، وتتبع الشبكات، وتحديد أماكن التخزين، والوصول إلى المتهمين، وضبط الأموال والأسلحة والمخدرات، ثم تقديم ما يتم ضبطه إلى جهات التحقيق وفق القانون.
لا تتركوا المال الحرام خلف تجار السموم
وأرى أن المرحلة التالية في الحرب على المخدرات يجب أن تظل قائمة على مبدأ واضح:
لا يكفي ضبط المخدر.. يجب مطاردة أموال المخدرات أيضًا.
كل شبكة يتم إسقاطها يجب أن يتبعها ـ متى توافرت الأدلة القانونية ـ فحص لمسارات الأموال والأصول والعقارات والسيارات والشركات والحسابات التي يُشتبه في ارتباطها بعائدات النشاط الإجرامي.
لأن التاجر الذي يخسر شحنة ويحتفظ بثروته يستطيع محاولة العودة من جديد، أما عندما تتم ملاحقة النشاط الإجرامي وعائداته المالية معًا في إطار القانون، فإن الضربة تصبح أكثر تأثيرًا على قدرة الشبكة على إعادة بناء نفسها.
الرسالة وصلت إلى تجار السموم
ضبط أكثر من نصف طن من المخدرات، و350 ألف قرص، و114 قطعة سلاح، ومخدرات بقيمة 161 مليون جنيه، ليس نهاية الحرب، لكنه ضربة جديدة في مواجهة طويلة.
والرسالة التي تحملها مثل هذه العمليات واضحة: أن البؤر الإجرامية مهما توسعت، ومهما حاولت تغيير طرق الجلب والتخزين والتوزيع، فإن المواجهة الأمنية مستمرة.
إنها معركة لحماية مجتمع كامل، وليست مجرد مطاردة لتاجر مخدرات.
وكل كيلو من السموم يتم منعه من الوصول إلى الشارع، وكل قطعة سلاح غير مرخصة يتم ضبطها، وكل شبكة إجرامية يتم تفكيكها، تعني خطرًا أقل على أسرة وشاب وشارع.
ولهذا فإن استمرار الضربات الاستباقية، إلى جانب تجفيف منابع الأموال وملاحقة شبكات الجلب والتوزيع، يظل أحد أهم الأسلحة في هذه الحرب.







