
وقال القرشي إن قوة الاقتصاد لا تعني أنه بمنأى عن الأزمات، إذ لا يوجد اقتصاد يتمتع بمناعة مطلقة أمام الاضطرابات الكبرى، لكن المعيار الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على امتصاص الصدمات، والحد من خسائرها، وضمان استمرار الأنشطة الحيوية، والحفاظ على مقومات النمو.
وأضاف أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها المملكة خلال السنوات الماضية، في إطار رؤية السعودية 2030، أسهمت في تعزيز مرونة الاقتصاد، من خلال تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة المؤسسات المالية، وتنويع القاعدة الإنتاجية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية الدولية.
التصنيف الائتماني يعكس متانة المقومات المالية السعودية
وأشار القرشي إلى أن تأكيد وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة في سبتمبر 2026، يعكس تقدير المؤسسات الدولية للمقومات المالية والاقتصادية للمملكة وقدرتها على إدارة الضغوط.
وأوضح أن أهمية هذا التصنيف ترتبط بمرونة إدارة الإنفاق، وإعادة ترتيب أولويات تنفيذ المشروعات، واستمرار الإصلاحات الداعمة لنمو القطاع غير النفطي، لافتًا إلى أن التصنيف الائتماني لا يعني غياب المخاطر، لكنه يمثل مؤشرًا على الجدارة المالية والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
أمن الطاقة وتنويع مسارات الإمداد يعززان المرونة الاقتصادية
وأكد الخبير الاقتصادي أن أمن الطاقة أصبح منظومة متكاملة لا تقتصر على حماية الحقول والمصافي، بل تشمل الإنتاج والتخزين والتكرير والنقل وتعدد مسارات التصدير.
ولفت إلى أهمية خط أنابيب شرق–غرب باعتباره مسارًا إضافيًا لنقل النفط إلى البحر الأحمر، بما يعزز مرونة الإمدادات في حال تعرض بعض الممرات البحرية للاضطرابات، مشددًا على أن حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ترتبط باستقرار التجارة الدولية وتكاليف الشحن والتأمين وانتظام سلاسل الإمداد.
وأضاف أن تصريحات وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، خلال أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة في 26 أكتوبر 2026، عكست أهمية بناء منظومات أكثر مرونة، وزيادة الاستثمارات، وتعزيز الشراكات الموثوقة لضمان استمرارية الإمدادات ودعم التنمية الصناعية وثقة المستثمرين.
وأشار إلى أن الترتيبات التي أعلنتها السعودية وسنغافورة بشأن دراسة إنشاء منظومة لتخزين النفط الخام السعودي في تجاويف جورونغ الصخرية تمثل خطوة مهمة نحو تقريب الإمدادات من الأسواق الآسيوية، وتوفير خيارات إضافية للتعامل مع اضطرابات النقل والتوريد، مع توقع بدء العمليات خلال النصف الثاني من عام 2027 بعد استكمال المفاوضات اللازمة.
الشراكات الدولية والدبلوماسية تدعمان حماية المصالح الاقتصادية
وأوضح القرشي أن التحركات الدبلوماسية السعودية تعكس إدراكًا لأهمية التكامل بين حماية المصالح الاقتصادية والعمل على خفض التصعيد الإقليمي، مشيرًا إلى أن اجتماع إسطنبول في 23 أكتوبر 2026، بمشاركة وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، تناول تطورات المنطقة وأهمية ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وأضاف أن زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى الرياض في 25 أكتوبر، وما شهدته من مباحثات بشأن الطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية والربط الكهربائي والرقمي، تؤكد اتساع مجالات التعاون الاقتصادي بين السعودية والدول الأوروبية، لافتًا إلى أن حجم التبادل التجاري بين السعودية واليونان بلغ نحو 1.7 مليار دولار خلال عام 2025.
وتابع أن زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان وممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى طهران في 26 أكتوبر تأتي في إطار جهود خفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، مؤكدًا أن نجاح هذه التحركات في الحد من مخاطر اتساع المواجهة من شأنه تقليل احتمالات تعطل الإمدادات وتحسين مناخ الاستثمار.
القطاع المصرفي السعودي يمتلك مقومات مواجهة الأزمات
وأكد القرشي أن متانة القطاع المصرفي تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي، موضحًا أن قوة مستويات رأس المال والسيولة وقدرة البنوك على مواصلة تمويل الأنشطة الاقتصادية تسهم في حماية النشاط الإنتاجي والحفاظ على استمرارية المدفوعات خلال فترات التوتر.
وأشار إلى ما أكده محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري، خلال مشاركته في منتدى إسطنبول الاقتصادي في أكتوبر 2026، بشأن متانة القطاع المصرفي وقدرته على مواجهة التوترات الجيوسياسية.
وأضاف أن الاستقرار الاقتصادي لا يقتصر على المؤشرات المالية، بل يمتد إلى حماية المواطن والمحافظة على قدرته الشرائية، موضحًا أن التوجيهات الملكية الصادرة في 25 أكتوبر 2026، بشأن الإجراءات الداعمة للمواطنين بالتزامن مع تعديل تعريفتَي الكهرباء والمياه اعتبارًا من الأول من يناير 2027، تستهدف تخفيف أثر التعديلات على الفئات المشمولة بالدعم.
ثلاث أولويات لتعزيز مرونة الاقتصاد السعودي
وشدد القرشي على أهمية التركيز خلال المرحلة المقبلة على ثلاثة مسارات رئيسية لتعزيز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة المتغيرات العالمية.
وأوضح أن المسار الأول يتمثل في تعزيز كفاءة الاستثمار والمحتوى المحلي، من خلال زيادة مشاركة الشركات الوطنية في سلاسل الإنتاج والتوريد، وربط المشروعات الكبرى بمؤشرات واضحة للإنتاجية والتوظيف والإيرادات والصادرات.
وأضاف أن المسار الثاني يرتبط بتحصين البنية التحتية وسلاسل الإمداد، عبر تطوير المسارات اللوجستية البديلة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتنويع الموردين، وتحديث خطط الطوارئ، مع الاهتمام بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة وقدرتها على مواجهة ارتفاع التكاليف وتأخر الإيرادات.
وأشار إلى أن المسار الثالث يتمثل في تعزيز الاستقرار المالي والقوة الشرائية، من خلال الرقابة الاستباقية على السيولة والائتمان، ومتابعة انعكاسات تكاليف الشحن والخدمات على الأسعار، ورفع كفاءة الدعم الموجه، وتوسيع التمويل للأنشطة الصناعية والإنتاجية ذات القيمة المضافة.
المرونة الاقتصادية أساس حماية مكتسبات رؤية 2030
واختتم الخبير الاقتصادي مصطفى محمد القرشي تصريحاته بالتأكيد على أن قوة الاقتصاد السعودي تُقاس بمتانة مؤسساته وكفاءة إدارة موارده وقدرته على استمرار الإنتاج والخدمات واستعادة التوازن بعد الأزمات.
وأضاف أن المملكة تمتلك مقومات مالية ومؤسسية وبنية تحتية وشراكات دولية تساعدها على التعامل مع التحديات، إلا أن الاختبار الأهم يتمثل في تحويل هذه المقومات إلى إنتاجية أعلى، وصادرات أكثر تنوعًا، وفرص عمل مستدامة، واستثمارات ذات عوائد حقيقية، مع المحافظة على الاستقرار المعيشي للمواطن.
وأكد أن تحويل الخبرات المتراكمة في إدارة الأزمات إلى قدرات مؤسسية مستدامة يمثل أحد أهم عوامل تعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي ومواصلة تحقيق مستهدفات التنمية.







