لم تكن القضية التي شغلت الرأي العام بشأن ما يُعرف إعلاميًا بـ”القاضي المزيّف” مجرد واقعة انتحال صفة عابرة، بل جرس إنذار يدق بقوة في وجه كل مؤسسة معنية بحماية هيبة العدالة. فالاقتراب من القضاء بانتحال صفته لا يستهدف شخصًا بعينه، وإنما يمس إحدى أهم ركائز الدولة وسيادة القانون.
وإذا كانت التحقيقات قد تناولت أقوال عدد من موظفي المحكمة، وما تردد عن إفادتهم بأنهم لم يكونوا يعلمون أن الشخص منتحل للصفة، فإن هذا الأمر يفرض ضرورة الوقوف أمام سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن أن تمر مثل هذه الواقعة – إن ثبتت تفاصيلها – دون أن تكتشف في وقت مبكر؟ والإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون من خلال التحقيقات الرسمية وحدها، بعيدًا عن التسرع في إصدار الأحكام.
إن هيبة القضاء ليست شعارًا، وإنما منظومة متكاملة من الإجراءات والانضباط والرقابة. وأي ثغرة، مهما كانت صغيرة، قد يستغلها محترفو الاحتيال للإيهام بالنفوذ أو التأثير أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، وهو ما يستوجب مراجعة دقيقة لكل آليات التحقق من الصفات الوظيفية داخل الجهات المعنية.
ومن الضروري أن تذهب نتائج التحقيقات إلى أبعد من تحديد المسؤولية الجنائية، لتشمل أيضًا تقييم الإجراءات الإدارية والرقابية، ووضع ضوابط أكثر صرامة تمنع تكرار مثل هذه الوقائع، إن ثبت وجود قصور. فالمحاسبة الحقيقية لا تقتصر على معاقبة المخطئ، بل تمتد إلى إصلاح الخلل الذي سمح بحدوث الواقعة.
كما أن هذه القضية تؤكد الحاجة إلى تسريع الاعتماد على منظومات التحقق الإلكتروني والهوية الرقمية، وربطها بإجراءات دخول المؤسسات والتعامل معها، حتى لا يكون المجال مفتوحًا أمام من يحاول استغلال أسماء أو صفات لا يملكها.
ولا ينبغي أن تتحول القضية إلى ساحة للتشهير أو إصدار الأحكام المسبقة. فالقانون هو الفيصل، وقرينة البراءة حق أصيل لكل من يخضع للتحقيق حتى تثبت مسؤوليته بحكم قضائي نهائي. لكن في المقابل، فإن أي شخص يثبت تورطه في انتحال صفة قضائية أو تسهيل ذلك أو التستر عليه، يجب أن يواجه العقوبات التي يقررها القانون، لأن المساس بهيبة العدالة لا يحتمل التساهل.
إن احترام القضاء يبدأ من حماية صفته، وحماية صفته تبدأ من يقظة المؤسسات، وصرامة الرقابة، وسرعة المحاسبة. فالدول القوية لا تسمح بأن تكون مؤسساتها السيادية عرضة للعبث، ولا تقبل أن تهتز ثقة المواطنين في العدالة بسبب ثغرة كان يمكن إغلاقها أو تقصير كان يمكن منعه.
ويبقى الأمل أن تنتهي التحقيقات إلى كشف الحقيقة كاملة، وأن تُعلن نتائجها للرأي العام بشفافية، وأن تُتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الوقائع، حفاظًا على مكانة القضاء المصري، وترسيخًا لسيادة القانون التي لا تستقيم دولة بدونها.







