عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: في العيد.. مافيا الخرسانة تذبح الأرض الزراعية بلا رحمة

عصابات البناء المخالف تستغل تكبيرات العيد لتنفيذ مخططاتها.. والدولة تخوض معركة مصيرية لإنقاذ ما تبقى من الرقعة
بينما تتعالى تكبيرات عيد الأضحى من المساجد داعية الناس للرحمة والطاعة وصلة الأرحام، تتحرك في الجهة الأخرى عصابات منظمة لا تعرف دينًا ولا ضميرًا، عصابات تتربص بالإجازات الرسمية كما تتربص الذئاب بالفريسة، لتبدأ واحدة من أخطر الجرائم التي تواجه الدولة المصرية: ذبح الأرض الزراعية وتحويلها إلى كتل خرسانية مشوهة تخنق المستقبل وتسرق حق الأجيال القادمة.
ما يحدث في مواسم الأعياد لم يعد مجرد “مخالفة بناء”، بل أصبح عدوانًا مكتمل الأركان على الدولة وهيبتها وأمنها الغذائي. هناك مافيا حقيقية تدير هذا الملف بعقلية العصابات، تضع خططًا مسبقة، وتوزع الأدوار، وتجهز المعدات والعمال والخلاطات وسيارات النقل قبل الإجازات بأيام، ثم تنقض على الأراضي الزراعية فور انشغال المواطنين والعاملين بأجواء العيد.
هؤلاء لا يبنون منازل فقط، بل يبنون إمبراطوريات من الفوضى والفساد فوق جثث الحقول الخضراء. كل عمود خرسانة يُصب فوق أرض زراعية هو طعنة مباشرة في قلب الوطن، وكل فدان يتم تدميره هو جريمة يجب أن تُعامل باعتبارها اعتداءً على الأمن القومي، لا مجرد مخالفة إدارية يمكن التصالح عليها أو تجاوزها.
الخطير أن هذه الشبكات تعتمد على سياسة “فرض الأمر الواقع”، حيث يتم البناء بسرعة جنونية خلال ساعات الليل، ثم يبدأ أصحاب المخالفات في إطلاق الشائعات والضغوط الاجتماعية والوساطات لمنع الإزالة، وكأن الدولة مطالبة بالاستسلام أمام سطوة المال الحرام والبلطجة العمرانية.
الحقيقة التي لا يجب تجميلها أن بعض مقاولي البناء المخالف تحولوا إلى تجار كوارث، يحققون الملايين من بيع الوهم للمواطنين، بينما يتركون خلفهم شوارع عشوائية، ومرافق منهارة، ومبانٍ بلا تخطيط، وأراضي زراعية ميتة لن تعود للحياة مرة أخرى مهما أُنفق من أموال.
هذه العصابات لا تختلف كثيرًا عن تجار المخدرات، فكلاهما يتاجر في تدمير المجتمع. الأول يقتل العقول، والثاني يقتل الأرض والغذاء والمستقبل. ومن يتعمد تجريف الأرض الزراعية من أجل الربح السريع لا يقل خطرًا عن أي مجرم يهدد استقرار الدولة واقتصادها.
لكن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح هي أن الدولة لم تعد نائمة، وأن غرف عمليات المحليات ومنظومة رصد المتغيرات المكانية أصبحت ترصد المخالفات لحظة بلحظة، وأن صور الأقمار الصناعية لم تعد تترك فرصة للهروب أو الاختباء. الأجهزة التنفيذية والأمنية أصبحت أمام اختبار حقيقي في مواجهة هذه الحرب القذرة التي تُشن على الأراضي الزراعية كل عيد وكل إجازة.
المطلوب الآن ليس فقط إزالة المباني المخالفة، بل تحطيم البنية المالية لهذه الشبكات بالكامل، ومصادرة المعدات والخلاطات واللوادر المستخدمة، والتحفظ على الأموال والأرباح الناتجة عن جرائم البناء، مع إحالة كل المتورطين لمحاكمات عاجلة ورادعة، لأن من يعتدي على الأرض الزراعية لا يجب أن يشعر للحظة أن هناك فرصة للإفلات.
كما أن أي موظف فاسد يسهّل أو يتغاضى أو يؤخر الإبلاغ عن هذه الجرائم يجب أن يُحاسب باعتباره شريكًا كاملًا في الجريمة، لأن التستر على اغتيال الرقعة الخضراء جريمة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون مخالفة وظيفية.
مصر تخوض معركة بقاء حقيقية للحفاظ على ما تبقى من أراضيها الزراعية، ولن يكون مقبولًا أن تضخ الدولة المليارات في مشروعات الاستصلاح بينما تأتي عصابات الخرسانة لهدم كل شيء في أيام قليلة. الأرض الزراعية ليست ملك أفراد، بل ثروة شعب ومستقبل وطن، ومن يعتدي عليها يستحق أقصى درجات الردع.
عيد الأضحى خُلق للرحمة والتقوى، لا لتحويل الحقول إلى مقابر إسمنتية. ومن يعتقد أن الإجازات فرصة لسرقة الأرض وفرض الفوضى، فعليه أن يدرك أن ساعة الحساب قادمة، وأن الدولة إذا حسمت هذه المعركة بلا تهاون، فإنها لا تدافع فقط عن القانون، بل تدافع عن حق مصر في الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى