
مع انقضاء الأيام الأولى لتجهيزات عيد الأضحى المبارك، كشف الحراك الواسع الذي تشهده المحافظات عن حجم الفجوة التنظيمية والميدانية بين تيارين داخل الخارطة الحزبية المصرية، أحزاب الأغلبية، التي تستند إلى أذرع خدمية وماكينات تمويلية قادرة على تحريك الدوائر، وأحزاب النخبة والتكنوقراط التي لا تزال أسيرة مقارها المركزية وصالوناتها الفكرية.
وهذا التباين الحاد في التعاطي مع المناسبات لا سيما الأعياد، يعيد طرح السؤال الحرج حول آليات بناء الولاء السياسي في الشارع، وما إذا كانت هذه المبادرات قادرة على صنع قواعد حزبية مستدامة، أم أنها مجرد تكتيكات انتخابية ينتهي أثرها بتفكيك شوادر العيد.
أحزاب مصر، صكوك الميدان في مواجهة بيانات الصالونات
المتابعة الدقيقة للعاصمة والأقاليم، تظهر استنفارًا غير مسبوق لأمانات التنظيم بالأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية، والظهير المالي واللوجستي القوي، حيث تحولت مقرات هذه الأحزاب إلى غرف عمليات لإدارة شبكات معقدة تشمل صكوك الأضاحي، وشوادر اللحوم المدعومة، ومعارض مستلزمات العيد؛ وهي أدوات تتماس مباشرة مع الاحتياجات اليومية للمواطن في ظل تحديات اقتصادية واضحة.
في المقابل، بدت أحزاب التكنوقراط والتيارات الليبرالية واليسارية الكلاسيكية في حالة عزلة؛ حيث انحصر حضورها في إصدار بيانات التهنئة الرسمية عبر المنصات الرقمية وصياغة الأوراق السياسية.
ويرى مراقبون أن هذا الانقسام يكرس واقعًا مأزومًا، فبينما تنجح أحزاب الأغلبية في فرض أمر واقع خدمي يبني لها رصيدًا مباشرًا عند الكتلة التصويتية الحرجة، تكتفي أحزاب النخبة بمخاطبة نفسها، معتبرة أن العمل الخدمي هو دور أصيل للمجتمعات الأهلية والدولة، وليس ركيزة للمشروعية السياسية.
مأزق الولاء، هل تصنع المنفعة أرضية جماهيرية للأحزاب؟
حسب خبراء، المأزق الحقيقي الذي يفرزه هذا الحراك خلف الكواليس يكمن في مدى قدرة هذه الأنشطة على تأسيس ولاء حزبي حقيقي؛ فأحزاب الأغلبية تواجه معضلة تحولها بنظر الشارع إلى مجرد جمعيات خيرية بعباءة سياسية، حيث يرتبط المواطن بالحزب ارتباطًا نفعيًا يتلاشى بانتهاء الموسم، دون أي قناعة حقيقية بالبرنامج السياسي أو الهوية الفكرية للحزب.
وعلى الجانب الآخر، تدفع أحزاب النخبة ثمن نقائها الفكري تراجعًا مستمرًا في حضورها الميداني، وعجزًا كاملًا عن حشد الشارع في أي استحقاق انتخابي، نتيجة تعاليها عن أدوات التواصل التقليدية التي يفهمها المواطن ويتفاعل معها.
ما بعد تفكيك الشوادر، معركة الشارع للأحزاب السياسية
تؤكد الشواهد أن موسم العيد يمثل بروفة ميدانية تقيس بها الأجهزة التنظيمية للأحزاب كفاءة رجال الصف الثاني وقدرتهم على الحشد والانتشار، لكن العبرة تظل دائمًا في اليوم التالي لانتهاء العطلة الرسمية وتفكيك الشوادر؛ فالأحزاب التي تمتلك إستراتيجية لتحويل هذا الزخم الخدمي المؤقت إلى كادرات سياسية واعية، والاشتباك مع القضايا التشريعية والرقابية تحت قبة البرلمان، هي فقط من تضمن زيادة رصيدها الجماهيري، وما عدا ذلك يبقى مجرد ظواهر موسمية تذهب مع انقضاء أيام العيد.







