في الوقت الذي يظن فيه البعض أن التنقيب عن الذهب داخل جبال قنا مجرد رحلة شاقة بحثًا عن الثراء، تكشف الوقائع الأمنية المتتالية أن الحقيقة أخطر بكثير، فالمشهد داخل تلك الجبال لم يعد مرتبطًا بأشخاص يحملون أدوات بدائية للحفر، بل أصبح عالمًا مغلقًا تديره تشكيلات إجرامية مسلحة، تحولت فيه مغارات التنقيب إلى أوكار للقتل والاتجار بالمخدرات والسلاح وغسل الأموال وفرض النفوذ بالقوة.
العملية الأمنية الأخيرة التي انتهت بمصرع عنصر إجرامي شديد الخطورة وضبط تشكيل عصابي بحوزته أسلحة نارية ومواد مخدرة وطواحين تستخدم في استخراج خام الذهب، أعادت فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بتحول بعض المناطق الجبلية في الصعيد إلى ساحات مفتوحة للجريمة المنظمة، حيث تختلط تجارة الذهب غير المشروعة بكل أنواع الأنشطة الإجرامية.
ففي قلب الجبال الوعرة، تنشأ معسكرات كاملة خارجة عن القانون، تضم حفارات وطواحين ومولدات كهرباء وسيارات دفع رباعي، بينما تتولى عناصر مسلحة تأمين المواقع ومنع اقتراب أي غرباء أو منافسين. ومع غياب أي رقابة داخل تلك المناطق النائية، تتحول المغارات إلى بيئة مثالية للهاربين من الأحكام وتجار السلاح والمواد المخدرة.
جرائم القتل وتصفية الحسابات
أخطر ما تشهده مناطق التنقيب غير الشرعي هو تصاعد جرائم القتل وتبادل إطلاق النار بين العصابات المتنافسة على السيطرة على المغارات الغنية بخام الذهب.
فكل منطقة داخل الجبل تمثل “ثروة محتملة”، ما يدفع بعض التشكيلات المسلحة إلى فرض سيطرتها بالقوة، واستخدام الأسلحة الآلية والخرطوش لإرهاب المنافسين.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت بعض المناطق الجبلية وقائع دامية بسبب الخلاف على أماكن الحفر أو نسب توزيع الأرباح، وانتهت بعضها بسقوط قتلى ودفن الجثث داخل المناطق الصحراوية لإخفاء معالم الجرائم.
كما تستغل بعض العناصر الإجرامية الطبيعة الجبلية المعقدة للتخلص من خصومها بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية، ما يجعل بعض المغارات بمثابة “مقابر سرية” لا يعرف أحد ما يدور بداخلها.
تجارة المخدرات داخل الجبال
الذهب لم يكن النشاط الوحيد داخل تلك البؤر، بل أصبحت المخدرات جزءًا أساسيًا من المشهد الإجرامي.
فبعض العصابات تستخدم المناطق الجبلية لتخزين المواد المخدرة قبل توزيعها، مستفيدة من صعوبة الوصول إلى تلك الأماكن.
كما يتم ترويج أنواع مختلفة من المخدرات بين العاملين داخل المغارات، خاصة المواد المنشطة والحشيش والشابو، بهدف إبقاء العمال في حالة يقظة لساعات طويلة وسط ظروف شاقة وخطرة.
الأخطر أن الأرباح الناتجة من تجارة الذهب غير المشروعة تُستخدم أحيانًا في تمويل صفقات مخدرات ضخمة، ما يخلق دائرة إجرامية مغلقة تجمع بين الذهب والسلاح والسموم.
انتشار الأسلحة الثقيلة
أي نشاط إجرامي يدر ملايين الجنيهات يحتاج إلى حماية، ولذلك أصبحت الأسلحة عنصرًا رئيسيًا داخل جبال التنقيب.
فالعصابات لا تعتمد فقط على الأسلحة الفردية، بل تضبط بحوزة بعض العناصر بنادق آلية وذخائر بكميات كبيرة، تستخدم في فرض السيطرة على مناطق الحفر ومواجهة المنافسين أو التصدي للحملات الأمنية.
وبعض التشكيلات الإجرامية باتت تمتلك مراقبين أعلى المرتفعات الجبلية لرصد أي تحركات غريبة، مع استخدام أجهزة اتصال حديثة وسيارات دفع رباعي للهروب عبر الدروب الصحراوية.
وهذا التسليح الخطير حول بعض المناطق إلى ما يشبه “البؤر المسلحة”، التي تحتاج إلى خطط أمنية دقيقة للتعامل معها دون تعريض الأرواح للخطر.
غسل الأموال والثراء المشبوه
الأموال الناتجة من بيع خام الذهب المستخرج بطرق غير شرعية لا تبقى داخل الجبال، بل يتم ضخها في أنشطة أخرى لإخفاء مصدرها الحقيقي.
وتشير الوقائع إلى أن بعض المتورطين يلجأون إلى شراء عقارات وسيارات فارهة أو إنشاء مشروعات تجارية ظاهرها قانوني، بينما حقيقتها غسل أموال ناتجة من تجارة الذهب والمخدرات.
كما تنشط شبكات وسماسرة في شراء الخام من المنقبين وبيعه بطرق غير رسمية، بعيدًا عن رقابة الدولة، وهو ما يغذي السوق السوداء ويشجع على استمرار عمليات التنقيب غير المشروع.
كوارث إنسانية داخل المغارات
بعيدًا عن الجرائم، هناك مأساة إنسانية متكررة داخل تلك الجبال، حيث يموت البعض اختناقًا أو تحت الأنقاض بسبب الحفر العشوائي غير الآمن.
فالمغارات التي تُحفر بطرق بدائية تكون معرضة للانهيار في أي لحظة، ومع غياب أي إجراءات سلامة، يتحول البحث عن الذهب إلى رحلة موت حقيقية.
كما يلقى بعض الشباب مصرعهم عطشًا أو بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو انفجار معدات بدائية تستخدم في تكسير الصخور، بينما ترفض بعض العصابات الإبلاغ عن الضحايا خوفًا من الملاحقة الأمنية.
الدولة تواجه إمبراطوريات الجريمة
ورغم صعوبة المواجهة داخل التضاريس الجبلية القاسية، فإن أجهزة الأمن تواصل توجيه ضربات قوية لتلك البؤر، عبر حملات تستهدف أوكار التنقيب غير الشرعي وضبط العناصر المسلحة والمتورطة في تجارة المخدرات والأسلحة.
لكن المواجهة لا يجب أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى تجفيف منابع تمويل تلك العصابات، وتشديد الرقابة على سوق الذهب الخام، ومحاسبة كل من يشارك في شراء أو تهريب الخام المستخرج بطرق غير مشروعة.
كما أن هناك ضرورة لتكثيف حملات التوعية للشباب، حتى لا يقعوا فريسة لأوهام الثراء السريع التي تروج لها بعض الصفحات والمقاطع المضللة، بينما الحقيقة أن كثيرًا ممن دخلوا تلك الجبال انتهى بهم الطريق إلى السجون أو المقابر.
إن ما يحدث في جبال قنا لم يعد مجرد تنقيب عشوائي، بل حرب خفية ضد عصابات تمتلك المال والسلاح والنفوذ، وتسعى لتحويل الجبال إلى مناطق خارجة عن القانون.
ويبقى السؤال الأخطر: كم من الدماء يجب أن تُراق حتى يدرك الجميع أن “ذهب الجبال” قد يكون أحيانًا بوابة كاملة إلى الجريمة







