
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها
حكاية ذات الضفائر والياسمينة.. عن الحب الذي ولد خلف الشباك وعاش على نبض الأمل
صاحبة الضفائر التي سرقت العقل وغابت ورحلة البحث عن رائحة الياسمين في دروب الوفاء والانتظار الجميل…..
هي صغيرة وجميلة، ذات ضفائر طويلة ووجه كالقمر.. البراءة والطفولة والجمال يسكنون عينيها ومن خلف شيش الشباك، تظهر الأنوار بعيون مراقبة، أترقب هذا الوقت بشغف، إلى أن يتم فتح الشباك.. فتهل الأنوار كالبدر في عزة تتسمر عيناي حتى إنها لا تعرف الخجل كي تنزل عنها، فتظل منبهرة بشغف، حتى أتعثر ويلاحظني الجميع دون أن أدري.. أتسمر في مكاني وأفقد عقلي، ولكن قلبي ينبض بشدة، ولا أعرف ماذا أفعل. كل ذلك في لحظات قليلة حتى يتم غلق الشباك.. أنتظر قليلًا حتى أعود إلى عقلي، ولا أعرف ماذا أفعل.. أنتظر وأنتظر.. حتى تعود مرة أخرى.
الابتسامة.. أول خيوط الفجر
ومع تكرار وقوفي أمام ذلك الشباك، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انزاح الستار قليلًا، والتقت عيناي بتلك العيون القمرية. لم تغلق الشباك هذه المرة، بل أهدتني ابتسامة باهتة لكنها كانت كافية لزلزلة كياني. كانت ابتسامة خجولة، تظهر غمازة صغيرة على خدها الأيمن، وكأنها تقول: “قد رأيت لهفتك، وقد قبلت شغفك”. في تلك اللحظة، شعرت أن الأرض لم تعد تحملني، وأن الجاذبية قد تخلت عن دورها لتتركني معلقًا في فضاء من الذهول.
العلامة.. ميثاق الصمت
ثم جاءت العلامة ذات مساء، وبينما كنت أقف في مكاني المعتاد، أسقطت من خلف الشيش زهرة “ياسمين” صغيرة لم تكن مجرد زهرة، بل كانت ميثاقًا سريًا بيننا التقطتها والرجفة تسكن أصابعي، فكانت هي العلامة التي أكدت لي أن قلبي لا ينبض وحده، وأن خلف ذلك الشباك روحًا تبادلني هذا الهمس الخفي.
السفر.. والغياب المر
لكن القدر كان يخبئ فصلًا من الوجع فجأة، انطفأت الأنوار، وبقي الشباك موصدًا لأيام طوال. عرفت من همسات الجيران أنها سافرت مع أهلها لبلاد بعيدة صار الشباك يتيمًا، وصار الشارع موحشًا كأنه مقبرة للذكريات كنت أمرّ كل يوم، أنظر إلى الخشب الصامت، وأتساءل هل هى تتذكر الياسمينة؟
هل يراودها وجهي المتعثر أمام شباكها في غربتها؟
لم أطق صبرًا، فقررت أن أعلن عن حبي بكل جنون كتبت لها رسائل طويلة، وصفت فيها كيف أن ضفائرها كانت قيدي الجميل، وكيف أن وجهها القمري كان بوصلتي الوحيدة تركت الرسائل في شقوق الشباك الموصد، وصحت بقلبي قبل لساني في ليالي السهر، معلنًا أنني سأنتظر حتى لو شاخ الزمان على عتبة بيتها.
ومرت السنون، وعادت هي.. لكنها لم تعد تلك الطفلة ذات الضفائر عادت امرأة مهيبة، يكسوها وقار الغربة وجمال ناضج، بينما كنت أنا قد استهلكتني سنوات الانتظار وقفت أمامها، فكانت المفارقة؛ لم تنكرني العيون، لكن الظروف أصبحت هي الحاجز الأكبر ورغم أنها اختفت مرة أخرى عن ناظري، إلا أن غيابها هذه المرة لم يكن انكسارًا.
لم يكن رحيلها نهاية المطاف، بل كان بدايةً لعهدٍ جديد مع الوفاء ورغم الصمت الذي سكن الشارع، إلا أنني لم أعرف اليأس يوماً. صرت أرى وجهها في كل بدرٍ يكتمل، وأسمع صوت ضحكتها في حفيف أوراق الشجر لم يكن انتظاري عذاباً، بل صار طقساً يومياً أجدد فيه إيماني بأن القلوب التي تلاقت بالأرواح لا يمكن أن تفترق بالأبدان أوقن في داخلي أن “الشباك” سيُفتح يوماً، ربما في فصلٍ غير هذا الفصل، أو في عمرٍ غير هذا العمر. سأظل هنا، رفيقاً لهذا الرصيف، حارساً لذكرياتي الجميلة.
بقيت أنا.. وبقي الأمل مشرعاً.. وأنا على يقين أنها يوماً ما، وبلا موعد، ستهل من جديد كالبدر في عزه.
تحياتى ومن عندياتى،،،
*قرمشة :
– قد يغير الزمان ملامح الوجوه ويطوي الضفائر، لكنه أبداً لا يطوي لهفةً سكنت الوجدان خلف شباكٍ قديم….
– ليست الزهور زينةً للنظر، بل هي مواثيق صمتٍ تُعقد بين القلوب حين تعجز الألسن عن الكلام…
– ليست الرسائل المودعة في شقوق الشبابيك حبراً وورقاً، بل هي أنفاسٌ نتركها هناك لعل الشوق يوماً يمر بها..
إلى اللقاء،،،



