عاجلمنوعات

خواطر أحمديات: هل في الأرض جنة؟ ولِمن؟ وكيف؟

يكتبها عميد مهندس أحمد زكي

مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها
جَنَّةُ الأَرْضِ..
بَيْنَ عَيَانِ المُلْكِ وَحِيرَةِ المَلَكُوتِ
في متاهه الفكر ودعوة للحوار
​حينما يتفكر المفكرون، وتصطدم العقول بمرآة الواقع وبين ما تراه العين من سلطان الدنيا،
وما تحتار فيه الروح من أسرار السماء تحدث زلزلة كبرى في الفكر يتشابك الخيط بالخيط، وتتبعثر الرؤية لتترك الكلمة حائرة، تائهة بين دفتي سؤال كوني عنيد…
هل في الأرض جنة؟ ولِمن؟ وكيف؟
​أمام هذا الثقل المعرفي، وجدتُ نفسي مضطراً للإبحار والقراءة، والنبش في مقاطع شتى من الكتب الفلسفية القديمة والحديثة، محاولاً البحث والربط بين الفلسفة، والرأي الحُر، والفقه والدين، وبين تفاصيل الحياة الحية وتأملات الفلاسفة الموضوع خطير، متشعب، وأكبر من أن تختزله سطور؛ ولذلك استعنتُ بقصص ومقاطع بسيطة وموجزة من حياة كبار الفلاسفة لنربط الفكرة بالواقع، ونقرب البعيد..
​إنني لا أقدم هنا صكوكاً يقينية، بل أطرح تساؤلاً عاش معنا ولم ينتهِ أرجو أن تصلكم هذه الكلمات كما خرجت من عمق الحيرة، وأدعوكم جميعاً للقراءة المتأنية، ثم أدعوكم بعد القراءة إلى مناقشة واعية، لنقيم معاً حواراً بناءً مثقفا، نناقش فيه الأمر بهدوء وموضوعية، ونخرج منه بنتائج تضيء لنا عتمة السؤال.
​ولعل ما دفعني لخوض هذا الغمار وضاعف من حيرتي الوجودية، هو أمرٌ مررتُ به شخصياً؛ وأقسم -وهذا قسم بينى وبين الله سبحانه وتعالى احاسب عليه – أنني في ليلة من الليالي، قمتُ من النوم مفزعاً..متصببا عرقا مرتجف القلب … اردد…. إنى رأيت الله !
​لم تكن رؤية بصرٍية من رجل طيني يحدد شكلاً أو يصف ملامح، فذاته جل وعلا منزهة عن الشبيه والمثيل وقاعدته الخالدة
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، بل كانت “مشاهدة قلبية” تجسدت في نورٍ قاذفٍ غمر الروح، وهيبة طاغية تلاشت أمامها الكلمات، يملأ الكون ،
على العرش استوى … وشعور عارم بالعدل والرحمة والأمان المطلق والقوة ذابت معه كل حيرة استيقظتُ وفزع جلال الطور وعظمة التجلي يملأ نفسي وسكينة اليقين تطرق قلبي، متسائلاً كيف لعقل عاين هذا الجلال الغيبي في منامه، ألا يبحث عن أسرار خلقه ونعيمه في يقظته؟
دعونا نرى أولاً إسقاطات هذا المشهد الأرضي الصادم، وكيف تتجلى مفارقة النعيم…

​- النعيم المصنوع…
​في مكان ما من هذا العالم، يقف قصرٌ فخم، جدرانه تكاد تنطق بالثراء هذا القصر يحمل في تفاصيله صفةً من صفات الجنة؛ تتدفق
من تحته أنهارٌ صنعتها هندسة البشر، يمتلئ بما تشتهي الأنفس وتلذه الأعين. يحيط به خدمٌ وحشمٌ يطوفون على أهله بالراحة، ورفاهية وعز لا ينقطع في هذا المكان،
أي شيء يحلم به قاطنه يحققه، وأي ميزة في العالم تصل إلى يديه بلمحة عين أبناؤه وعائلته ينعمون بنعيم الدنيا كاملاً صحة فائقة، تعليم في أرقى المقاصد، تغذية مثالية، تكنولوجيا تسبق العصر، ملبس ومشرب، وسفر بطائرات ومراكب وسيارات فاخرة تطوي الأرض طيّاً أفراح وسهرات ومتاع كاملة أليست هذه جنة؟!

– الطبيعة الغناء والذاهية…
​وفي مشهد آخر، نرى بقاعاً من الأرض وهبتها الطبيعة صفات الجنة عياناً؛ منازل قائمة فوق المياه الجارية، بساتين مليئة بالخيرات والثمرات وما تشتهي الأنفس، أجواء ساحرة ونعيم لا ينتهي لمن يملكون القدرة على العيش هناك والتنقل بين عواصم الضباب والشواطئ
​هنا تثور الفلسفة العميقة الحائرة في عقل المشاهد ماذا إذاً؟ لماذا هم فيها ولماذا نحن؟
لماذا نراها نحن فقط ونسمع عنها في آخرتنا، بينما هم عاشوها في دنيتهم؟ نحن ننتظر الحساب، وحتى تلك اللحظة لا نعلم على وجه اليقين أسنراها أم سندخلها، أم سنكتفي بما رأيناه في الدنيا من بعيد؟
​كيف نتحمل أن نشاهد الجنة في حياتنا ومطلوب منا أن ننتظر لنراها في أخرتنا؟ ولماذا نكتفي بالسماع؟ هل حُرِمنا منها في الدنيا ولا نعلم مصيرنا في الآخرة؟ إنه ليس انحرافاً في الفكر، بل هو الفكر العنيد الباحث عن عقل يجيب
-صدى الحيرة في ممرات التاريخ…
​لم يكن هذا السؤال وليد اليوم؛ بل هو إرث ثقيل حمله كبار الفلاسفة عبر العصور، وغرقوا في حيرته العميقة..استعنت ببعض منها…
​1. إبيكو ر (Epicurus):
مفارقة اللذة المفقودة…
* ​القصة والحيرة: عاش إبيكور في أثينا وبنى مجتمعاً فلسفياً أطلق عليه “الحديقة” رأى أن الألم هو الشر المطلق، وأن السعادة (الجنة) يجب أن تُعاش هنا والآن من خلال الطمأنينة والتحرر من الخوف صُدم إبيكور بتفاوت الحظوظ، وتساءل عن العدالة الكونية إذا كانت القوى المهيمنة قادرة على إخلاء الأرض من الآلام وجعلها جنة للجميع ولم تفعل، فهل هي غير قادرة أم غير عادلة؟
* ​ماذا توصل؟ لم ينفِ الغيب تماماً، لكنه انحاز إلى “جنة اللحظة الحاضرة”، معتبراً أن انتظار المجهول مع حرمان الحاضر هو خسارة مزدوجة، ومات دون أن يجد إجابة تشفي غليل التناقض الوجودي والطبقي.
​2. أبو العلاء المعري:
رهين المحبسين والشك الجارح..
* ​القصة والحيرة: في عزلة مظلمة، جلس فيلسوف الشعراء يعاين بفكره قصور الملوك وحرمان البؤساء نظر إلى الوجود
* فرأى تناقضاً صارخاً، وصرخ برؤيته المبعثرة
​ جَـيِـلٌ بَـعْـدَ جَـيِـلٍ مَـشَـى عِـيَـانَـاً …
وَمَـا بَـانَـتْ لِـمُـرْتَـحِـلٍ سَـبِـيـلُ
* ​ماذا توصل؟ تملكه العجب من قوم يملكون “جنة العيان” بفجورهم، وقوم ينتظرون “جنة الوعد” بعبادتهم توصل المعري إلى أن العقل البشري أعجز من الإحاطة بالسببية الكونية، وظل حائراً بين إيمان يرجوه وعقل
يرفض التناقض، ومات ولم يحل الشفرة.
​3. فر يدريش نيتشه (Nietzsche):
صدمة “إسقاط النعيم”
* ​القصة والحيرة: رأى نيتشه أن فكرة “الجنة المؤجلة” هي حيلة اخترعها الضعفاء لتعزية أنفسهم عن حرمانهم في الأرض تساءل بغضب لماذا نترك جنة الأرض الواقعية الملموسة لأصحاب القوة والمال، ونعيش نحن على أمل غيبي؟
* ​ماذا توصل؟ دعا إلى “إخلاص الإنسان للأرض”، واعتبر أن الجنة الحقيقية هي القوة والإرادة في هذه الحياة لكنه انتهى به المطاف إلى الجنون، مستسلماً للحيرة الكونية التي أراد تحطيمها.
-وهنا وجب علينا أن نسترجع الثلاثية:
العلم….. الفقه… والفلسفة
​- الرؤية العلمية ..
​العلم لا يعترف بـ “الجنة” كمصطلح غيبي، بل يترجمها إلى “مستويات الدوبامين والرفاهية ونظام التكيف البشري”.
ولذلك يثبت العلم الحديث عبر دراسات “تريدميل المتعة” أن الساكن في القصر الفخيم المليء بالخدم والترف، يتكيف عقلياً وعصبياً مع هذا النعيم بعد فترة وجيزة، ليتحول هذا البذخ العظيم إلى مستوى “عادي” لا يمنحه أي سعادة إضافية، تماماً كحياة رجل بسيط في كوخه اعتاد على بساطته.
وأن الجنة الأرضية المطلقة هي وهم بيولوجي؛ فالأثرياء والمرفهون يمرون بالقلق، والاكتئاب، والانتحار بنسب قد تفوق الفقراء في كثير من الأحيان. العلم يقول: “الجنة ليست مكاناً نعيش فيه، بل هي حالة ذهنية من الرضا الداخلي”.
– الرؤية الفقهية والدينية….
الفقه والدين ينظران إلى هذا التناقض من نافذة “الابتلاء بالوجود وتوزيع الأدوار”….
إن القصور والأنهار والأموال في الدنيا ليست في المفهوم الديني “جزاءً”، بل هي “أدوات اختبار” يقول الفقه مستشهداً بالآيات الكريمة…
﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾
سورة الأنبياء — الآية 35
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
سورة البقرة — الآيات 155 إلى 157
الجنة الأرضية للمرفه هي عبء ومسؤولية حسابها أمام الله عسير وطويل، وحرمان الفقير منها هو تخفيف لرحلة الحساب وسرعة في المرور إن الدين يجيب عن “لماذا نحن ننتظر؟” بأن الدنيا دار نقص بطبيعتها؛ فحتى صاحب القصر يمرض، ويهرم، ويموت، ويفقد عزيزاً، ويصيبه الهم فالجنة الأرضية ناقصة ومؤقتة، بينما الجنة فى الآخرة كاملة وخالدة لا يعقبها كدر وحساب …..
​- الفلسفة الكونية الحائرة…
​الفلسفة تقف في المنتصف وتتساءل:
إذا كانت جنة الأرض ناقصة ومؤقتة، فلماذا جعلنا الله نشاهدها بأعيننا؟
الجواب الفلسفي العميق يرى أن “مشاهدة الجنة الأرضية” هي المحرك الأساسي للوعي البشري لولا رؤية النعيم لما تحرك الإنسان ليعمل ويعمر الأرض، ولولا الحرمان لما بحث العقل عن الله وعن العدالة المطلقة في حياة أخرى تعوض هذا الحرمان إنها عملية توازن كوني لإبقاء الشعلة الإنسانية مشتعلة في زمن أصبح فيه “أضعف الإيمان” هو الموجود،
يبرز هذا التساؤل كأداة لإيقاظ العقول….

يجب علينا إيقاظ الإيمان العاقل….
​نعود من حيث بدأنا وصدمنا الفكر…
هل في الأرض جنة؟
​نعم… ولكنها جنة مغشوشة تشبه السراب؛ تُرى من بعيد ماءً يروي الظمأ، فإذا جئتها لم تجدها شيئاً إن الذين يملكون جنة الأرض بطائراتهم وقصورهم، لم يهربوا من شرط الإنسانية.. فالخوف من الموت والعدم يطرق أبواب القصور الفاخرة كما يطرق أبواب الكوخ البسيط، والقلق من الغد يبيت على وسائد الحرير كما ينام على الحصير.
​الإجابة الدسمة والمقنعة التي تنبثق من وسط ركام الحيرة هي: أن الله لم يحرمنا من الجنة في الدنيا، بل جعل “ماهيتها” مختلفة..جنة الأقوياء والمترفين هي “جنة المادة” (الخارج)، وجنة المؤمنين والصابرين هي “جنة الروح والرضا” (الداخل). وحينما يضعف الإيمان في زمننا هذا، تصبح العين عاجزة عن رؤية النعيم الداخلي، فلا ترى إلا المظاهر، والقصور، والطائرات …الحرمان في الدنيا ليس بالضرورة عقاباً، والعطاء المادي ليس بالضرورة مكافأة… بل هي عملية توزيع أدوار في مسرحية وجودية قصيرة جداً والذين يشاهدون الجنة في حياتهم وينتظرون آخرتهم، هم الفائزون بفلسفة الصبر؛ لأنهم فهموا أن المتعة الحقيقية ليست في “امتلاك النعيم الزائل”، بل في “الشوق واليقين بالنعيم الخالد”.
​إنها الفلسفة الباحثة عن العقل… والعقل في النهاية ينحني أمام الإيمان القوي العاقل، معلناً أن الحيرة هي أول طريق المعرفة، وأن الجنة الحقيقية على هذه الأرض هي أن تسير فيها بقلب مطمئن، مستمتعاً برحلتك، موقناً بوصولك.
​…هذا المقال لم يُكتب ليُغلق الباب، بل ليفتح النوافذ لقد فتشتُ في المراجع وقرأتُ بين السطور لأجلب لكم هذه الشذرات، ليس انحرافاً بالفكر، بل رغبةً في تنشيط العقل ولذلك،
أضع هذا الجهد بين أيديكم والذى بحثت فيه طويلا وكتبته بلغه الفلاسفه حتى يصل بفكره الفلسفى وليس بالكتابة التقليدية ، ليكون أرضيةً للقراءة أولاً، وللمناقشة ثانياً إنني بانتظار عقولكم المستنيرة لنتباحث بهدوء، ونفكك هذا الفكر العنيد، فبالحوار البناء وحده تكتمل الرؤية.
​فما هي رؤيتكم… وأين تجدون جنة الأرض؟

[[قبل أن نختلف… نتفق أن…نحترم الإختلاف]] وفى ذلك قول الفيلسوف اليونانى فيثاغورث: ( لاتجادل الأحمق…. فقد يتعذر على الآخرين
…..أن يفرقا بينكما )
بدون قرمشة وكفايه الفلسفة ،،،،
تحياتى ومن عندياتى،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى