
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها …..
مرحبًا بك في أولمبياد المرور
هناك أماكن تذهب إليها لإنهاء مصلحة فتخرج منها وقد انتهى الأمر في دقائق. وهناك أماكن أخرى تخرج منها وأنت تشعر أنك أنهيت معسكر تدريب على الصبر والتحمل. أما وحدة المرور فهي حالة خاصة. فهي المكان الوحيد الذي يجعلك تكتشف أن استخراج رخصة قيادة يحتاج إلى لياقة عداء ماراثون وصبر راهب ومحفظة لا تعرف معنى الاستسلام من أول لحظة يلفت انتباهك وجود طبيب داخل الوحدة. فتظنه موجودًا لإجراء فحص روتيني لكن بعد ساعة واحدة فقط تبدأ في الاقتناع أنه أهم شخص في المكان فهو المرشح الوحيد لمتابعة الضغط بعد أول طابور والنبض بعد أول إيصال وربما السكر بعد أول مفاجأة
ثم تشعر وكأن مخرجًا سينمائيًا أعلن بدايةالتصويرللمسابقة
ثلاثة… اثنان… واحد… انطلق ..وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية
تشتري الملف… وتدفع…تصور الأوراق… وتدفع….تشتري طفاية الحريق… وتدفع …تشتري حقيبة الإسعافات… وتدفع….تشتري العواكس… وتدفع.تذهب إلى كشف البيئة… وتدفع…..تسدد الضريبة… وتدفع.
تذهب إلى التأمين الإجباري… وتدفع ثم تتجه إلى الشباك… وتدفع …حتى تبدأ في الاعتقاد أن كلمة “ادفع” ليست فعلًا في اللغة العربية وإنما إدارة مستقلة داخل المرور لها فروع أكثر من أي إدارة أخرى ..وتقف قليلًا أمام عبارة “التأمين الإجباري” فتسأل نفسك في هدوء إذا كان إجباريًا فلماذا أشعر أن كلمة “الإجباري” لا تكتمل إلا بكلمة “ادفع” وكأنهما توأمان لا يفترقان ولا تظن أن الدفع هو المهمة الوحيدة. فبين كل شباك وآخر تبدأ رحلة الهرولة تخرج من هذا المبنى لتذهب إلى آخر ثم تعود إلى الأول لأن هناك توقيعًا ناقصًا ثم تجري إلى نهاية الممر من أجل ختم ثم تكتشف أن الورقة نفسها تحتاج إلى مراجعة في الجهة المقابلة
ولو كانت الساعة الذكية في يدك تحسب عدد الخطوات لاكتشفت أنك أنهيت تمرينًا رياضيًا كاملًا قبل أن تنهي نصف إجراءات الرخصة أما حذاؤك فهو الضحية الحقيقية لذلك اليوم لأنه يعمل ساعات إضافية دون مقابل.
ثم تأتي المفاجأة التي تستحق أن تُدرَّس في كتب الاقتصاد الملف الذي اشتريته في الصباح بكل رضا تعيده في المساء إلى المكان نفسه تنظر إليه متعجبًا وتسأل نفسك هل اشتريت الملف فعلًا أم استأجرته حتى نهاية الدوام.
بعدها تقف أمام فحص بصمة رقم المحرك. لحظة قصيرة لكنها كافية لتجعلك تشعر أنك تنتظر نتيجة امتحان مصيري..كل ما تتمناه أن يكون الرقم واضحًا لأن أي ملاحظة بسيطة قد تعني أن يومك قرر أن يضيف فصلًا جديدًا إلى الرواية ثم تنتقل إلى كشف البيئة يطلب منك الضغط على دواسة البنزين مرة ثم مرة أخرى ثم مرة ثالثة. وبعد دقائق تشعر أن السيارة نفسها تستحق تقريرًا طبيًا بعد هذا الفحص الطويل وفي أثناء تنقلك يظهر ذلك الموظف الذي يحمل قلمًا ويضعه على قائم السيارة ثم يتأملها في هدوء لا تعرف ماذا يقيس ولا ماذا كتب لكنك تتجه إليه فورًا لأن المواطن داخل المرور يتعلم سريعًا أن أي إشارة قد تعني محطة جديدة في الرحلة.
وبين شباك وآخر تسقط الأوراق من الملف وتتطاير
و تتناثر الإيصالات و تختلط البطاقات تنحني لتجمعها بسرعة قبل أن يضيع ختم أو ورقة يعيدانك إلى نقطة البداية وفي هذه اللحظة تكتشف أن قانون الجاذبية يعمل بكفاءة مذهلة داخل وحدات المرور.
ثم تصل إلى نافذة المخالفات وهنا تتغير ملامح الوجوه. يقف كل مواطن أمام الشاشة وكأنه ينتظر نتيجة تحليل مهم بعضهم يفاجأ بمبالغ لم يكن يتوقعها فيراجع ذاكرته ويحاول أن يتذكر متى حدث ذلك وكيف حدث ويزداد اليوم طولًا بينما يزداد الطابور خلفه طولًا هو الآخر.
وهنا ياتى دور الطبيب فى هذا الشباك لان حالات الفزع والرعب والغيبوبه وارتفاع الضغط والتوتر بعد سماع ارقام المخالفات الرهيبة فيربت عليهم وينصحهم بعمل تظلم
لتخفيف الآلام الرهيبة بعد سماعها ….
ومع كل محطة تنتهي تظن أن النهاية اقتربت. لكنك تكتشف أن كل نهاية ليست إلا بداية لمحطة جديدة.
هذا هو الجزء الأول. والجزء الثاني سيكون عن السيستم وتعطله، والإرهاق، وكبار السن، والمخلصاتية، واستخراج الرخصة، والختام والعتاب للمسؤول، بنفس الأسلوب.
*الجزء الثانى:
وإذا كنت تظن أن أصعب ما في اليوم هو الجري بين الشبابيك فأنت لم تتعرف بعد إلى البطل الحقيقي لهذه الحكاية إنه… السيستم هذا الكائن العجيب الذي لا يختار التوقف إلا في اللحظة التي يصل فيها الزحام إلى قمته. يقف الجميع في أماكنهم وكأن الزمن نفسه أخذ إجازة مفاجئة. ولا تسمع سوى الجملة الأشهر في المكان”السيستم واقع” والغريب أن للسيستم مواعيد يكاد الجميع يحفظها فإذا جاء وقت الإفطار شعر هو الآخر بالجوع وقرر أن يستريح قليلًا وإذا حضرت أكواب الشاي بدا أنه لا يحب العمل قبل احتساء كوبه وإذا أذن الظهر بدا وكأنه يؤدي استراحة منتظمة لا تتغير أما المواطن فلا يملك إلا أن ينظر إلى الشاشة مرة وإلى ساعته عشر مرات وإلى طابور الانتظار مائة مرة وفي أثناء هذا الانتظار الطويل يبدأ الطبيب في استعادة دوره من جديد فمع ارتفاع الضغط وزيادة التوتر وامتداد ساعات الوقوف يبدو وجوده أكثر منطقية من أي وقت مضى. فاليوم بالنسبة لبعض المواطنين ليس مجرد إنهاء إجراءات بل اختبار حقيقي للأعصاب وتلتفت حولك فتجد كبار السن يقفون بصبر. وسيدات يحملن الملفات ويتنقلن بين الشبابيك.
وأشخاصًا أنهكهم الوقوف لساعات الجميع يتحرك بالسرعة نفسها لأن الرحلة لا تفرق بين شاب ومسن ولا بين من جاء لأول مرة ومن يحفظ المكان عن ظهر قلب.
وفي زاوية أخرى ترى بعض الأشخاص يتحركون داخل المكان بثقة لافتة يعرفون الطريق بين الشبابيك كما يعرف ساعي البريد شوارع منطقته أما المواطن الذي جاء لأول مرة فيظل يحمل ملفه وينظر إلى كل اتجاه متسائلًا
هل انتهيت فعلًا أم أن هناك محطة أخرى لم يخبرني بها أحد وبعد ساعات من الجري والانتظار والدفع والعودة والانتظار مرة أخرى تبدأ تشعر أن السيارة التي جئت من أجلها أصبحت أقل إرهاقًا منك هي كانت متوقفة معظم الوقت أما أنت فلم تتوقف إلا لتلتقط أنفاسك.
ثم تأتي اللحظة التي كنت تنتظرها منذ الصباح
هو موعد استلام الرخصة وما يتم النداء على اسمك
فتقفز فرحا لوصولك لنهايه الماراثون ..وتجد نفسك تبكى
تلقائيا و بحرقة البطل بعد هذا الانجاز العظيم…
وما ان تمسكها بيدك وكأنك تمسك ميدالية التفوق فى نهاية سباق طويل الى ان تنتبه… ثم تنظر إلى محفظتك فتكتشف أنها أصبحت أخف كثيرًا مما كانت عليه في بداية اليوم وتنظر إلى ساعتك فتكتشف أن النهار مر أسرع مما توقعت وتنظر إلى حذائك فتدرك أنه هو الآخر شارك في استخراج الرخصة وأنت تغادر المكان لا تحمل الرخصة وحدها تحمل معها قصة كاملة ستحكيها لكل من يقول لك غدًا “أنا رايح المرور أخلص في ساعة.”
فتبتسم ابتسامة يعرف معناها كل من خاض هذه الرحلة من قبل ولا يبقى في النهاية إلا العتاب.
ليس عتابًا لموظف بعينه ولا لشخص يؤدي عمله وإنما لكل مسؤول يملك أن يجعل الخدمة أسهل والإجراءات أبسط والوقت أقصر فالخدمة الحكومية الناجحة لا تقاس بعدد الشبابيك ولا بعدد الأختام ولا بعدد الإيصالات بل تقاس بمدى احترام وقت المواطن وكرامته كل خطوة يمكن اختصارها هي راحة للناس وكل إجراء يمكن تبسيطه هو نجاح للدولة قبل أن يكون نجاحًا للمواطن وكل دقيقة نوفرها على صاحب المصلحة هي رسالة تقول له إن وقته له قيمة.
ويبقى السؤال الذي يردده كل من خرج من هذه الرحلة وهو ينظر إلى الرخصة في يده ثم إلى اليوم الذي مضى من عمره …ليه كده…بجد…ليه كده.
تحياتى ومن عندياتى،،،،،،



