لم تكن مذبحة 15 مايو مجرد جريمة مأساوية انتهت بسقوط ضحايا داخل منزل، وإنما فتحت الباب أمام أسئلة أعمق حول العلاقة بين الأفكار المتطرفة والسلوك العنيف، وكيف يمكن لبعض الخطابات المنغلقة أن تتحول من مجرد كلمات إلى ممارسات تهدد حياة الآخرين.
المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل في هذه القضية أن المتهم، الذي يواجه اتهامات بارتكاب جريمة قتل بشعة بحق طليقته وأفراد من أسرتها، كان يقدم نفسه عبر منصات التواصل الاجتماعي باعتباره صاحب خطاب ديني وواعظًا للآخرين، في الوقت الذي تكشف فيه التحقيقات عن اتهامه بارتكاب فعل يتناقض تمامًا مع أبسط القيم الإنسانية والدينية.
فبينما كان يتحدث عن الطاعة والالتزام والعودة إلى الدين، كشفت التحقيقات ـ وفقًا لما ورد في أوراق القضية ـ عن اتهامه بإعداد العدة للجريمة وتجهيز أسلحة وذخائر، ثم التوجه إلى مكان تواجد المجني عليهم بدعوى الصلح، قبل أن تتحول الزيارة إلى واقعة دامية راح ضحيتها أربعة أشخاص وأصيب آخر.
وهنا تظهر إحدى أخطر الإشكاليات التي تواجه المجتمعات، وهي استخدام الخطاب الديني كغطاء لتبرير مواقف شخصية أو مشاعر غضب وانتقام. فالدين لا يمكن أن يكون أداة لمنح الإنسان شعورًا بالتفوق على الآخرين أو مبررًا لإدانة المجتمع أو ممارسة العنف ضد المخالفين.
إن قراءة الأفكار التي كان يروج لها المتهم، وفق ما نشر عنه، تكشف عن خطاب يحمل في بعض جوانبه نزعة لتقسيم المجتمع إلى فئات، وتصوير الآخرين باعتبارهم بعيدين عن القيم الصحيحة، وهي أفكار لطالما حذرت المجتمعات من خطورتها عندما تتحول من مجرد آراء إلى قناعة تمنح صاحبها حق الحكم على الآخرين.
لكن في الوقت نفسه، فإن التعامل مع مثل هذه الجرائم يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والموضوعية؛ فالأفكار المتشددة أو الخطابات المنغلقة لا تعني بالضرورة وحدها وجود ارتباط تنظيمي بجماعة أو كيان بعينه، وإنما يبقى إثبات أي انتماء أو علاقة أمرًا يخضع للتحقيقات والأدلة.
القضية تطرح أيضًا سؤالًا مهمًا حول دور الفضاء الإلكتروني في نشر الأفكار المتطرفة أو الوصول إلى أدوات قد تستخدم في ارتكاب الجرائم. فالإنترنت أصبح ساحة مفتوحة تحتاج إلى وعي مجتمعي ورقابة قانونية توازن بين حرية التعبير ومنع استغلال المنصات في نشر الكراهية أو التحريض أو تسهيل ارتكاب الجرائم.
والأخطر من الجريمة نفسها هو محاولة البعض ارتداء ثوب الواعظ بينما يحمل داخله أفكارًا تناقض ما يدعو إليه. فالتاريخ مليء بنماذج لأشخاص تحدثوا باسم الفضيلة ثم مارسوا عكسها تمامًا، ليظل الدرس الأهم أن المعيار الحقيقي ليس ما يقوله الإنسان عن نفسه، وإنما ما يفعله على أرض الواقع.
مذبحة 15 مايو ليست فقط ملفًا أمام جهات التحقيق والقضاء، بل هي أيضًا جرس إنذار حول ضرورة مواجهة التطرف الفكري، أيا كان مصدره، قبل أن يتحول إلى سلوك مؤذٍ. فالكلمة قد تبني مجتمعًا، لكنها إذا اختلطت بالغرور والكراهية والرغبة في السيطرة قد تصبح بداية طريق مظلم نحو العنف.
وفي النهاية، يبقى الدرس واضحًا: من يرفع شعارات الدين لا يصبح بالضرورة ممثلًا لقيمه، فالأديان تُقاس بالرحمة والعدل وحفظ النفس، لا بالشعارات ولا بادعاء امتلاك الحقيقة.



