أثار مستند متداول خلال الساعات الماضية، نُسب إلى النيابة العامة، حالة واسعة من الجدل بين المواطنين، بعد تضمنه ما يفيد – إذا ثبتت صحته بحفظ بعض أحكام الجنح الغيابية التي مضى عليها أكثر من ثلاث سنوات دون اتخاذ إجراءات قانونية تقطع مدة التقادم أو إعلان المحكوم عليهم بها.
ورغم سرعة انتشار الخبر، فإن كثيرًا من التفسيرات التي صاحبت تداوله كانت غير دقيقة، إذ اعتقد البعض أن الدولة ألغت جميع الأحكام الغيابية، بينما تصور آخرون أن الأمر يمثل عفوًا عامًا عن المحكوم عليهم، وهو فهم لا يتفق مع المبادئ القانونية المنظمة لهذه المسألة.
في البداية، يجب التفرقة بين الدعوى الجنائية والعقوبة، فلكل منهما قواعد قانونية مختلفة. كما يجب التفرقة بين الجنح والجنايات، لأن ما ينطبق على الأولى لا يسري بالضرورة على الثانية.
والأهم أن التقادم لا يعني براءة المتهم، ولا إلغاء الحكم، ولا إسقاط الجريمة، وإنما يعني أن القانون وضع مدة زمنية محددة لتنفيذ بعض الأحكام أو اتخاذ إجراءات معينة، فإذا انقضت هذه المدة دون اتخاذ الإجراءات التي يحددها القانون، فقد تترتب آثار قانونية ينظمها التشريع.
والحكمة من ذلك أن العدالة لا يجب أن تبقى معلقة إلى الأبد، فلا يجوز أن يظل شخص مهددًا بتنفيذ حكم بعد مرور سنوات طويلة دون أي تحرك من الجهات المختصة، كما لا يجوز في المقابل أن يفلت الجاني من العقاب إذا كانت الإجراءات القانونية قد اتخذت في مواعيدها.
ولذلك فإن أي قرار إذا ثبت صدوره بحفظ بعض أحكام الجنح الغيابية لا يعني إطلاقًا أن جميع الأحكام القديمة قد انتهت، وإنما يقتصر على الحالات التي استوفت الشروط القانونية، والتي لم تتخذ بشأنها إجراءات تقطع مدة التقادم، مع وجود استثناءات نص عليها القانون.
كما أن القرار إذا كان صحيحًا لا يشمل الجنايات، ولا الجرائم التي لا تزال إجراءاتها قائمة، ولا الأحكام التي تم اتخاذ إجراءات تنفيذ صحيحة بشأنها، ولذلك فإن تعميم الأمر على جميع القضايا يعد خطأ قانونيًا.
ومن الناحية العملية، فإن مراجعة الملفات القديمة تمثل خطوة مهمة في تطوير منظومة العدالة، لأنها تساعد على تنقية السجلات من القضايا التي انتهى أثرها القانوني، وتتيح للنيابة والمحاكم وأجهزة إنفاذ القانون التركيز على الجرائم الحديثة والأكثر خطورة، بما يحقق سرعة الإنجاز وجودة الأداء.
لكن في المقابل، يحتاج الأمر إلى توضيح رسمي للرأي العام، حتى لا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصدر لتفسير النصوص القانونية، فالقانون لا يُفهم من خلال منشور متداول، وإنما من خلال البيانات الرسمية والنصوص التشريعية.
كما ينبغي على أي مواطن يعتقد بوجود حكم غيابي ضده ألا يعتمد على ما يُنشر عبر الإنترنت، بل يتوجه إلى الجهات المختصة للاستعلام عن موقفه القانوني، لأن كل قضية لها ظروفها وإجراءاتها الخاصة.
في النهاية، فإن هيبة الدولة لا تتحقق بالإبقاء على ملفات راكدة لعشرات السنين، وإنما بتطبيق القانون كما هو، تنفيذًا وتقادمًا وانتهاءً، وفق الضوابط التي رسمها المشرع. فالعدالة الحقيقية ليست في كثرة الأحكام، بل في حسن إدارتها، وسرعة تنفيذها، وإنهائها عندما يقرر القانون ذلك.







