حسين محمود يكتب: كيف تواجه الداخلية صناع المحتوى المسيئين على مواقع التواصل؟
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل تحولت لدى البعض إلى ساحة مفتوحة لنشر الإساءة، وبث المحتوى المنافي للقيم، والتربح من إثارة الجدل، وتحقيق المشاهدات بأي وسيلة،حتى لو كان الثمن هدم الأخلاق، أو التحريض على العنف، أو نشر الشائعات، أو خدش الحياء العام.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، جاءت الضربات الأمنية المتتالية التي وجهتها وزارة الداخلية لصناع المحتوى المخالف، لتؤكد أن الدولة لا تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات استغلال الفضاء الإلكتروني في ارتكاب الجرائم أو تحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المجتمع.
لقد أثبتت الوقائع أن بعض من يطلقون على أنفسهم “صناع محتوى” لا يقدمون محتوى هادفًا أو علميًا أو ثقافيًا، وإنما يعتمدون على الألفاظ الخارجة، والمشاهد المستفزة، والاستعراضات غير اللائقة، وإهانة الآخرين، واستغلال الأطفال أو النساء، ونشر سلوكيات منحرفة لجذب ملايين المشاهدات وتحقيق أرباح مالية من الإعلانات والمنصات الرقمية.
والأخطر من ذلك أن هذه المقاطع أصبحت تصل إلى الهواتف المحمولة في كل بيت، ويشاهدها الأطفال والمراهقون، فتتحول تدريجيًا إلى نماذج سلوكية يظن البعض أنها الطريق الأسرع إلى الشهرة والثروة، بينما حقيقتها أنها طريق قد يقود إلى المساءلة القانونية.
إن تحرك وزارة الداخلية لملاحقة كل من يسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يستهدف تقييد حرية الرأي أو الإبداع، وإنما يهدف إلى تطبيق القانون على من يحول المنصات الرقمية إلى وسيلة لارتكاب الجرائم أو نشر الفوضى الأخلاقية أو التعدي على حقوق الآخرين. فحرية التعبير حق يكفله الدستور، لكنها ليست غطاءً للسب والقذف، أو التشهير، أو نشر الأخبار الكاذبة، أو التحريض على الجرائم، أو إنتاج محتوى يخالف القانون.
كما أن التطور التكنولوجي فرض على أجهزة إنفاذ القانون تطوير أدواتها وقدراتها في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية، وأصبحت هناك متابعة دقيقة لما يُنشر عبر المنصات المختلفة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت ارتكابه مخالفة يعاقب عليها القانون، وهو ما يعكس قدرة الدولة على مواكبة التحديات الرقمية المتسارعة.
وفي هذا السياق، يشكل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 أحد أهم الأطر التشريعية التي تتيح مواجهة الجرائم الإلكترونية، إلى جانب نصوص قانون العقوبات وغيرها من التشريعات التي تجرّم الاعتداء على الخصوصية، ونشر الشائعات، والابتزاز الإلكتروني، وخدش الحياء العام، والتحريض على ارتكاب الجرائم.
لكن المواجهة الأمنية، مهما بلغت قوتها، لن تكون وحدها كافية إذا لم يصاحبها دور فعال للأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية والثقافية، والإعلام، لترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للإنترنت، وتعزيز الوعي بأن الشهرة الحقيقية تُبنى بالعلم والموهبة والعمل، لا بالإساءة والابتذال وإثارة الجدل.
كما تتحمل شركات ومنصات التواصل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية وقانونية في الحد من انتشار المحتوى الضار، من خلال سرعة الاستجابة للبلاغات، وتفعيل سياسات إزالة المحتوى المخالف، وعدم تحويل خوارزميات المنصات إلى أدوات تكافئ الإثارة الرخيصة على حساب القيم المجتمعية.
إن نجاح الدولة في مواجهة المحتوى المخالف لا يُقاس فقط بعدد القضايا أو الضبطيات، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع، خاصة الأجيال الجديدة، من التأثيرات السلبية للمحتوى الهابط، وترسيخ فكرة أن الفضاء الإلكتروني ليس منطقة خارج القانون، وأن كل من يسيء استخدامه سيواجه المساءلة القانونية.
وفي النهاية، فإن الرسالة أصبحت واضحة: مصر تخوض معركة لحماية أمنها المجتمعي كما تحمي أمنها القومي، ولن تسمح بأن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة للفوضى أو الإساءة أو الابتزاز أو نشر الانحلال. فسيادة القانون لا تتوقف عند حدود الشارع، بل تمتد أيضًا إلى الشاشات والهواتف، لأن حماية المجتمع تبدأ من حماية وعيه، وصيانة قيمه، والحفاظ على استقراره.



