
لم يعد مقبولًا أن يتم التعامل مع ما يحدث في بعض حفلات الساحل الشمالي بمنطق «دي حفلات وشباب وزحمة».. هذه ليست حجة، وليست إجابة، وليست مبررًا.
عندما يتحول الحفل إلى تدافع، وعندما تضيع السيطرة على حركة الجمهور، وعندما تظهر شكاوى أو مقاطع تتعلق بالتحرش أو الاعتداء، فنحن أمام إنذار خطير يجب التعامل معه بمنتهى الحسم.
الساحل ليس ساحة بلا قواعد، والحفلة ليست منطقة خارج القانون، والمنظم الذي يفتح أبواب فعالية أمام آلاف الأشخاص يتحمل مسؤولية أن يكون المكان مؤمنًا ومنظمًا وقادرًا على استيعاب هذا العدد.
المشكلة ليست في الحفل.. المشكلة في الفوضى
نحن لسنا ضد الغناء، ولا ضد السياحة، ولا ضد الترفيه.
لكننا ضد أن تتحول الحفلات الجماهيرية إلى كتلة بشرية بلا حساب، وأن يصبح هدف بعض المنظمين هو الوصول لأقصى عدد ممكن من التذاكر، بينما تأتي سلامة الجمهور في المرتبة الأخيرة.
السؤال الصريح هنا:
هل المكان يستوعب هذا العدد فعلًا؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فأين مخارج الطوارئ؟ أين نقاط الإسعاف؟ أين ممرات الحركة؟ أين رجال الأمن المدربون على إدارة الحشود؟ وكيف يتم التعامل مع أي واقعة تحرش أو اعتداء في ثوانٍ وليس بعد انتشار الفيديو على مواقع التواصل؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
هذه هي أساسيات أي حفل محترم.
التحرش جريمة.. والفوضى لا تحمي أحدًا
التحرش جريمة، وأي شخص يثبت ارتكابه لها يجب أن يخضع للقانون دون تهاون.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تحويل مقطع على مواقع التواصل إلى إدانة نهائية لأشخاص أو جهات قبل انتهاء الفحص والتحقيق.
وهنا تكمن المفارقة: حتى عندما تنتهي جهة التحقيق إلى أن واقعة متداولة لم تكن تحرشًا وإنما نتيجة تزاحم، فإن وصول الجمهور إلى مرحلة التزاحم الخطير يظل جرس إنذار تنظيميًا.
لأن المنظم المحترف لا ينتظر أن يختلف الناس حول حقيقة المشهد بعد تصويره.
هو يمنع المشهد من الأساس.
بيع التذاكر ليس بطولة
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه شركة تنظيم هو أن تقيس نجاحها بعدد التذاكر المباعة فقط.ج
كل تذكرة تعني شخصًا.
وكل شخص يحتاج إلى مساحة آمنة.
وكل ألف شخص إضافي يحتاجون إلى خطة أمن وسلامة أكبر.
لذلك فإن بيع أعداد تفوق القدرة الفعلية للمكان، إذا ثبت حدوثه، ليس مجرد قرار تجاري سيئ؛ بل قد يتحول إلى خطر حقيقي على الأرواح.
ومن هنا يجب أن تكون هناك مراجعة صارمة لكل حفل جماهيري كبير:
من حدد الطاقة الاستيعابية؟
من وافق على العدد؟
من راجع مخارج الطوارئ؟
من وضع خطة الإخلاء؟
ومن المسؤول إذا حدثت كارثة؟
أسئلة يجب ألا تختفي بمجرد انتهاء الموسيقى.
الرقابة يجب أن تسبق الكارثة
المشكلة في بعض الفعاليات ليست غياب الحل، وإنما انتظار المشكلة حتى تقع.
لماذا لا تكون هناك مراجعة مسبقة وحازمة لخطة التنظيم؟
لماذا لا يتم التأكد من أن عدد الجمهور يتناسب مع مساحة المكان؟ح
لماذا لا تكون هناك آلية واضحة وفورية للإبلاغ عن التحرش والاعتداءات والمشاجرات؟
ولماذا لا يتم وقف الدخول عندما يصل المكان إلى الحد الآمن؟
الرقابة الحقيقية تبدأ قبل فتح الأبواب، وليس بعد إغلاقها.
الساحل يحتاج إلى الانضباط لا إلى التبرير
الساحل الشمالي واجهة سياحية وترفيهية مهمة، وأي فوضى تقع في حفلة لا يجب أن تتحول إلى صورة عامة عن المنطقة كلها.
لكن الحفاظ على صورة الساحل لا يكون بإخفاء الأخطاء أو تبريرها.
بل يكون بالاعتراف بأن هناك ثغرات تنظيمية يجب سدها، ومن يثبت تقصيره يجب أن يتحمل مسؤوليته.
نريد حفلات ناجحة، لكن النجاح الحقيقي ليس في أن تمتلئ الساحة.
النجاح أن تمتلئ الساحة وتظل آمنة حتى خروج آخر شخص.
كلمة أخيرة.. لا تنتظروا الكارثة
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعتاد الفوضى.
أن نرى التدافع فنقول «طبيعي».
أن نرى مشاجرة فنقول «حصل خير».
أن نسمع عن شكوى تحرش فننتظر الفيديو.
أن نرى الجمهور محشورًا في مساحة ضيقة فنعتبرها «أجواء الحفلة».
هذا هو الخطأ الذي يجب أن يتوقف.
فالحفلات الجماهيرية مسؤولية، والساحل ليس دولة داخل الدولة، والجمهور ليس وقودًا لتحقيق الأرباح.
ومن يريد أن ينظم حفلاً لعشرات الآلاف، فعليه أن يمتلك أولًا القدرة على حمايتهم.
لا أرباح فوق سلامة الناس.. لا شهرة فوق كرامتهم.. ولا حفلة فوق القانون.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا بقوة:
إذا كانت الكارثة يمكن منعها بخطة تنظيم جيدة. فلماذا ننتظر وقوعها حتى نبحث عن المسؤول؟







