رحلة الرعب داخل سيارة.. إحباط محاولة اختطاف فتاة وسقوط المتهمين.. الضحية حطمت الزجاج وصنعت أول خيوط الضربة الأمنية
كتب- حسين محمود

في ليلة لم تكن تشبه غيرها، كانت شوارع الشيخ زايد تتشح بهدوء مريب، يقطعه بين الحين والآخر أثير أنوار السيارات العابرة على استحياء، وفي لحظة خاطفة تتوارى فيها الرحمة، تحولت السكينة الظاهرة إلى كابوس مرعب، وكتبت الأقدار فصلًا دراميًا مأساويًا كانت بطلته فتاة أعزل، واجهت عصبة من الذئاب البشرية وسط دهشة المارة وعيون الهواتف الذكية التي التقطت المشهد لتهز به منصات التواصل الاجتماعي ومشاعر الملايين من أصحاب القلوب الرحيمة.
بدأت المشاهد المرعبة حينما كانت الفتاة المقيمة بدائرة قسم شرطة الأهرام تسير في أحد الشوارع الهادئة بدائرة قسم شرطة أول الشيخ زايد، مطمئنة تنشد طريق العودة إلى بيتها بعد يوم طويل.
سيارة تطارد الفتاة
وفجأة، انشقت العتمة عن سيارة ملاكي مجهولة الهوية، تسير بلا لوحة معدنية أمامية ومنتهية التراخيص، تنبعث منها رائحة المكر والشر.
انحرفت السيارة نحوها بتهور جنوني، وتوقفت في أجزاء من الثانية ليترجل منها أجساد تتشح بالخطر والعدوانية، وقبل أن تستوعب الفتاة ما يحدث حولها، وجدت نصل سلاح أبيض يلمع في عتمة الشارع يقطع عليها طريق الفراق، مصحوبًا بتهديدات مبهمة وصارمة تطالبها بالصمت والرضوخ التام لمشيئة المعتدين.
لم تكن الفتاة تدرك أن تلك اللحظة ستكون فاصلة بين الحياة والموت، بعدما سحبها المتهمون عنوة واقتادوها بالقوة الغاشمة داخل المقعد الخلفي للسيارة المنطلقة بسرعة جنونية نحو المجهول.
تعدي بالضرب
وفي الداخل، تحولت السيارة إلى سجن متحرك ضيق؛ حيث تناوب الذئاب التعدي عليها بالضرب المبرح والتحرش اللفظي والجسدي، ومحاولة سلبها عفتها رغماً عنها، مقتادين إياها ونظرات الشر تملأ أعينهم نحو أطراف المنطقة الجبلية النائية بمنطقة الشيخ زايد لتنفيذ جرمهم الشنيع وتجريدها من كرامتها بعيداً عن أعين الناس وسلطة القانون.
لكن ما لم يحسب له الجناة حساباً، وما لم يخطر ببال تجار السموم والعنف، هو حجم البسالة والصلابة التي تملكت روح هذه الفتاة الساكنة بالخوف والذهول.
ورغم صغر سنها وقلة حيلتها أمام ستة أجساد قاسية مجردة من النخوة، رفضت الاستسلام لمصيرها المظلم المكتوب بالدموع.
الفتاة تقاوم المتهمين
خاضت الفتاة معركة شرف حقيقية بكل ما أوتيت من قوة وإصرار في المقعد الخلفي للسيارة، اشتبكت معهم بأيديها الصافية، وتصدت لهم بصراخ يمزق الصمت، ولم تكتفِ بالدفاع السلبي، بل استجمعت شجاعتها وقامت بركل وتكسير زجاج السيارة بكل ما تملك من طاقة، محدثة تلفيات بالغة أربكت حركتهم وأشعلت الذعر في قلوبهم خوفاً من افتضاح أمرهم والتفاف الأهالي حولهم في الطريق العام.
أمام هذه المقاومة الشرسة والتحطيم الصريح لزجاج السيارة، أدرك الخاطفون أن طريدتهم لم تكن صيداً سهلاً كما ظنوا، وأن استمرار احتجازها سيعجل بسقوطهم المحتوم.
هروب المتهمين
وبسبب حالة الارتباك الشديدة والتلفيات التي لحقت بالسيارة، قرر الجناة التخلص منها ومغادرة الميدان فوراً قبل وصول أي قوة أمنية. ألقوا بالفتاة الجريحة على جانب أحد الطرق النائية بدائرة قسم شرطة ثان الشيخ زايد، وسلبوا هاتفها المحمول كرهاً عنها لتجريدها من أي وسيلة استغاثة أو تواصل، ثم لاذوا بالفرار في غياهب الظلام، تاركين إياها تتألم من قسوة المشهد وجراح الجسد والروح التي لا تندمل بسهولة.
الداخلية تطارد المتهمين
لم تكن الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية ببعيدة عن هذا المسرح المأساوي؛ فما إن انتشر مقطع الفيديو الذي وثق لحظة الاختطاف البشعة وتداولته المواقع والصفحات، حتى سادت حالة من الاستنفار والجاهزية القصوى داخل قطاعات البحث الجنائي بمديرية أمن الجيزة بالتعاون مع القطاعات المعنية.
توجّهت الفرق التحقيقية والفنية إلى موقع الحدث، وبدأت مراجعة شاملة لآلاف الكاميرات وتتبع الخطوط السرية وتجميع قطع البازل المتناثرة للوصول إلى الخيط الأول الذي يقود إلى هؤلاء المجرمين.
وبالفحص الدقيق والفني، أمكن التوصل إلى الفتاة الظاهرة بمقطع الفيديو والاستماع لشهادتها الصادقة وتفاصيل الحادثة، وهي الشهادة التي كانت بمثابة الشعلة التي أضاءت طريق الأجهزة الأمنية لتقصي الأثر.
وأسفرت التحريات المكثفة عن تحديد السيارة الملاكي المستخدمة في الجريمة، وتبين أنها بدون لوحة معدنية أمامية ومنتهية التراخيص.
وعبر خطة أمنية محكمة وتقنين كامل للإجراءات واستصدار إذن النيابة العامة، أطلقت القوات مأموريات مكبرة نجحت في ضبط السيارة وقائدها وكافة مستقليها في وقت قياسي أثار ذهول المتهمين أنفسهم.
تحقيقات
وكشفت التحقيقات الصادمة أن المتهمين هم تشكيل عصابي ضم خمسة طلاب وعامل توصيل طلبات، جميعهم مقيمون بمحافظة الجيزة، وتبين أن ثلاثة منهم يمتلكون سجلاً إجرامياً حافلاً وسوابق جنائية متعددة في قضايا الجرائم الجسيمة كـ “السرقة بالإكراه، وتعاطي المواد المخدرة، وقضايا الآداب العامة، والبلطجة”.
وبمداهمة أوكارهم وتفتيشهم، ضُبطت بحوزتهم كمية من مخدر “البودر”، كما أمكن بإرشادهم ضبط السلاح الأبيض المستخدم في تهديد الفتاة، والهاتف المحمول الذي استولوا عليه كرهاً منها.
وبمواجهة المتهمين الستة بعناصر التحريات الدقيقة والدلائل الفنية والمضبوطات ومقطع الفيديو الدامغ، انهاروا جميعاً واعترفوا تفصيلياً بارتكاب الواقعة الشنعاء على النحو المشار إليه، مؤكدين أنهم اتفقوا على اختطاف الفتاة واقتيادها رغماً عنها للمناطق الجبلية للفتك بها والتعدي عليها جنسياً، لولا مقاومتها الباسلة وتحطيمها لزجاج السيارة التي أجبرتهم على التخلي عنها وسرقة هاتفها للتمويه والتغطية على فعلتهم.
لتطوى بذلك صفحة واحدة من أصعب مشاهد الرعب والدراما التي شهدتها شوارع الجيزة، وتتجه القضية بكافة أوراقها ومتهميها إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق، تاركة في الأفق رسالة حاسمة ومباشرة مفادها أن شجاعة المواطن ويقظة رجال الشرطة ستظلان الجدار المنيع الذي تتحطم عليه أطماع الخارجين عن القانون.



