عاجلمقالات

ريهام الشبراوي تكتب: السحر في الأرياف… بين الموروث الشعبي وخطر الوهم

في كثير من القرى والأرياف، ما زالت بعض المعتقدات القديمة تفرض حضورها بقوة، رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم. ومن أبرز هذه المعتقدات فكرة “السحر” وتأثيره على حياة الناس، حيث يلجأ البعض إلى تفسير المشكلات الأسرية أو الصحية أو حتى الاقتصادية بكونها نتيجة أعمال سحرية خفية.

هذا الاعتقاد لا يأتي من فراغ، بل هو امتداد لموروث ثقافي تناقلته الأجيال عبر الزمن، في ظل محدودية الوعي العلمي وضعف الوصول إلى مصادر المعرفة الموثوقة في بعض المناطق. فحين يعجز الإنسان عن تفسير ما يحدث له، يجد في “السحر” إجابة سهلة ومباشرة، وإن كانت غير دقيقة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الإيمان بوجود السحر، بل في السلوكيات التي تترتب عليه. إذ يلجأ البعض إلى الدجالين والمشعوذين، الذين يستغلون بساطة الناس وحاجتهم، فيستنزفون أموالهم ويزرعون بينهم الشكوك والفتن. وقد يؤدي ذلك إلى تفكك أسر، وقطع صلات رحم، بل واتهام الأبرياء ظلمًا.

وفي كثير من الأحيان، تتحول الشائعات حول السحر إلى “قيل وقال” ينتشر بسرعة في المجتمعات الريفية، فيزيد من حدة التوتر والعداوات بين الناس. وهنا يصبح الخطر اجتماعيًا حقيقيًا، يتجاوز مجرد اعتقاد فردي إلى أزمة تمس تماسك المجتمع بأكمله.

ولا يمكن إنكار أن بعض الناس يجدون في اللجوء إلى هذه المعتقدات نوعًا من الطمأنينة النفسية، خاصة في أوقات الأزمات، لكن هذا لا يبرر الانسياق وراء أوهام قد تعرقل الحلول الحقيقية للمشكلات. فالأمراض لها أسباب طبية، والخلافات الأسرية تحتاج إلى حوار وعلاج، والضغوط الاقتصادية تتطلب تخطيطًا وحلولًا واقعية.

لذلك، يصبح دور التوعية أمرًا ضروريًا، سواء من خلال التعليم، أو الإعلام، أو المؤسسات الدينية، في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتعزيز التفكير العلمي. كما أن نشر الثقافة القانونية مهم للحد من استغلال الدجالين، خاصة مع وجود قوانين تجرم النصب والاحتيال.

في النهاية، يبقى السحر في الأرياف قضية تتداخل فيها الجوانب الثقافية والاجتماعية والنفسية، لكن مواجهتها لا تكون بالإنكار أو السخرية، بل بالفهم والتوعية وبناء الثقة في العلم والعقل. فالمجتمعات القوية لا تقوم على الخوف من المجهول، بل على المعرفة والوعي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى