عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: مجزرة «عروق الذهب» بسفاجا

ما حدث في جبال سفاجا لا يجب أن يُقرأ كخبر جنائي عابر، بل كفضيحة مكتملة الأركان تكشف خللًا عميقًا في إدارة ملف بالغ الخطورة. نحن أمام إعدام جماعي لثمانية مصريين في قلب الجبل، برصاص مباشر، داخل منطقة تحولت إلى “جمهورية موازية” لا تخضع لسيطرة حقيقية، ولا تعرف معنى القانون.

هذه ليست جريمة قتل فقط… هذه نتيجة طبيعية لسنوات من ترك ملف التنقيب العشوائي يتضخم حتى خرج عن السيطرة.

حين تتحول الجبال إلى مخازن سلاح، ومناجم غير شرعية، ومسرح لصراعات النفوذ، فالسؤال لم يعد “كيف حدثت المجزرة؟” بل “لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟”.

المشهد في “عروق الذهب” مرعب بكل المقاييس:

مجموعات تنقيب غير مرخصة، أسلحة نارية في أيدي الخارجين عن القانون، صراعات على مناطق النفوذ، وأموال تُدار خارج أي إطار رسمي. في هذه البيئة، لم يعد الإنسان له قيمة… الرصاصة هي الحكم، والدم هو وسيلة الحسم.

الجاني، الموصوف بأنه “عنصر شديد الخطورة”، لم يكن يتحرك في فراغ.

وجوده، وتسليحه، وقدرته على تنفيذ جريمة بهذا الحجم، ثم محاولة الهروب، كلها دلائل على أن ما حدث ليس فعلًا فرديًا معزولًا، بل نتاج شبكة أوسع، بيئة تسمح لمثل هذه العناصر بالنمو والتوحش دون ردع حقيقي.

والأخطر من ذلك، أن الدولة – بصمتها أو تأخرها – تتحول إلى طرف غير مباشر في هذه الكارثة.

حين تُترك مناطق كاملة خارج الرقابة الفعلية، وحين يُسمح بنشاط اقتصادي غير شرعي بهذا الحجم، فإننا لا نواجه مجرد تقصير… بل نواجه خطرًا استراتيجيًا يهدد هيبة الدولة نفسها.

هل يعقل أن تُدار ثروات طبيعية بهذه الطريقة البدائية الدموية؟

هل من المقبول أن يبحث شباب عن لقمة العيش في بيئة أقرب إلى ساحات حرب؟

هل ننتظر أن تتحول هذه البؤر إلى ملاذات دائمة للعنف والجريمة المنظمة؟

الحلول لم تعد تحتمل التجميل أو التأجيل:

نحن بحاجة إلى عملية اقتلاع كاملة لهذه الفوضى، لا مجرد حملات مؤقتة.

تقنين صارم وفوري لعمليات التنقيب، وجود أمني دائم ومكثف، ضرب شبكات السلاح غير المرخص بيد من حديد، ومحاسبة كل من تورط أو تستر أو استفاد من هذا الاقتصاد الدموي.

كما يجب فتح تحقيق واسع لا يقف عند حدود المنفذ، بل يصل إلى كل من شارك في خلق هذه البيئة، سواء بالإهمال أو التواطؤ أو الصمت. لأن السكوت هنا لم يعد حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في نزيف الدم.

مجزرة سفاجا ليست جريمة عادية… إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض سيادتها.

إما أن تكون هذه الواقعة نقطة حاسمة لاستعادة السيطرة، أو تكون بداية لانفلات أخطر، حيث تتحول جبال الذهب إلى مقابر مفتوحة، ويتحول الطمع إلى رصاص، ويصبح الموت هو اللغة الوحيدة السائدة.

الرسالة الآن واضحة ولا تحتمل التأويل:

إما الحسم… أو تكرار المأساة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى