
اضبط جلستك، واسحب نفساً عميقاً، لأننا سننزل من برج الفلسفة العاجي إلى رصيف الشارع.. حيث “الكوميديا السوداء” تُطبخ على نار هادئة……
مات “عم صابر”.. فمن يربح المليون لايك؟!
منذ يومين، توفي “عم صابر” الرجل الطيب الذي كان يبيع الفول في رأس حارتنا مات في صمت وهدوء تام، يشبه تماماً الهدوء الذي كان يضع به كموناً زائداً على طبق الفول ليُرضي زبائنه حتى هنا، القصة درامية ومؤثرة، لكنها طبيعية الكوميديا السوداء بدأت بعد ساعة واحدة من دفنه، وتحديداً عندما قرر “أستاذ مدحت” وهو شاب في الثلاثين، يرتدي نظارة طبية ويدّعي الثقافة الفلسفية أن يكتب منشوراً على فيسبوك ينعى فيه المتوفى….
كتب مدحت “مات عم صابر.. مات رجل الكادحين، الذي كان يطعم الفقراء برخص التراب، في زمن عزّت فيه اللقمة الشريفة”
…منشور بريء؟ في الظاهر نعم لكنه
في عالم “السفسطة الرقمية” المعاصر،
كان بمثابة إعلان حرب!
.المعركة تبدأ سفسطة على قدر السعر..
لم تمر خمس دقائق حتى دخل “أبو معاذ” على الخط، وهو تاجر ومقاول معروف في المنطقة، يعشق الجدال لإثبات أنه دائماً على حق علّق أبو معاذ غاضباً “كادحين مين يا أستاذ مدحت؟ عم صابر الله يرحمه كان يبيع طبق الفول
بـ 20 جنيهاً! هذا استغلال واحتكار واضح لبطون الشعب.. اتقِ الله ولا تدافع عن الجشعين!” هنا، اشتعلت النيران مدحت الذي لم يبع في حياته حبة فول واحدة شعر أن كرامته الفكرية في خطر .. تذكر فجأة نظرية يونانية قديمة قرأها في كتاب أصفر، وبدأ يتلاعب بالألفاظ “يا أستاذ أبو معاذ، القيمة ليست في السعر، القيمة في الرمزية! طبق الفول عند عم صابر كان ملاذاً سيكولوجياً للمهمشين ” رد أبو معاذ “سيكولوجي في عينك! أنت تدافع عن الرأسمالية المتوحشة المستترة وراء عربة فول!”
.الكلاب الضالة والدوري يدخلون العزاء..
خلال ساعة، تحول التعليق إلى “خناقة شوارع إلكترونية” شارك فيها نصف سكان الحي.. وبما أن الناس تحب “المعمعة”، انحرف النقاش تماماً عن عم صابر! دخلت “شلة محبي الحيوانات” لتكتب “بالمناسبة، عم صابر كان يطرد الكلاب الضالة من أمام عربته.. أحسن إنه مات!”
فرد عليهم “رابطة مشجعي الكرة”.. “طبعاً، ما هو كان يشجع النادي المنافس، والكلاب كانت تشجع ناديكوا!” حتى “أم فلان” دخلت وقالت.. “الله يرحمه، بس ياريت الطبيبات في الوحدة الصحية يتعلموا منه الإخلاص، مش زي الدكتورة اللي زعقتلي الأسبوع اللي فات!”
مات عم صابر، لكن أحداً لم يعد يذكره.. أصبح مجرد “شماعة” يعلق عليها كل شخص عقده النفسية، وأيديولوجياته، ورغبته العارمة في أن يقول للجميع “أنا هنا، وأنا أفهم منكم جميعاً!”
.الفلسفة المُرّة اللياقة اللفظية والإنهاك..
هذه هي “السفسطة” في أبهى صورها الحديثة. في اليونان القديمة، كان السفسطائيون يتقاضون أجوراً ليعلموا الناس كيف يقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً لمجرد الانتصار في النقاش…اليوم، نحن نفعل ذلك “مجاناً” على هواتفنا، فقط لنثبت “لياقة ألسنتنا” وسط الشاشات! نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الشخص الواحد أن يتبنى الرأي وعكسه في نفس الدقيقة، بشرط أن يخرج من النقاش وهو “المنتصر” الذي حصد أكبر عدد من الإعجابات. المنطق أصبح مرناً كالمطاط، يُفصّل على “مقاس المصلحة الشخصية” أو “اللقطة” (التريند).
.قرار المعتزل تصدير الملل أفضل…
في وسط هذا الهراء كله، كان هناك رجل عجوز يجلس في مقهى الحارة، يتابع الشاشات وهو يشرب الشاي. هذا الرجل كان في شبابه من كبار المجادلين، لكنه الآن صامت تماماً…
عندما سألوه “لماذا لا تكتب رأيك يا حاج؟ أنت خبير في هذه الأمور” نظر إليهم بابتسامة ساخرة وقال “يا بني، أنا أصبت بالإنهاك. تحريك لساني أو أصابعي أصبح يتطلب جهداً أكبر من قدرة قلبي زمان كنت أجادل لأغيظ الناس، الآن وجدتها تجارة خاسرة الخلاف اليوم لم يعد يفسد للود قضية.. الخلاف اليوم ينسف الود، وينسف القضية، وينسف صاحب القضية” وأضاف وهو يرشف رشفة أخيرة
“لذا، قررت أن أكون (مملّاً).. أتحدث عن الطقس، وعن طعم الشاي، وعن ذكرياتي القديمة…أن يقولوا عني (رجل ممل) يعيش في صمته، أفضل بألف مرة من أن أستورد صداعاً من معارك إفتراضية.. أبطالها يبحثون عن (اللايك) فوق جثة رجل كان كل همه أن يبيع الفول ساخناً!”…
تحياتى ومن عندياتى، ،،،
*قرمشة:
– زمان كان اللي ما يعرفش بيقول (الله أعلم)..
دلوقتي بيعمل (بوست) بـ 100 سطر…
– احنا في زمن لو قولت فيه (مساء الخير).. هتلاقي اللي يثبتلك إنك عنصري ضد الصبح…
– تطلع إنسان (ممل) في نظرهم.. أحسن ما تطلع من خناقتهم بـ (ضغط وسكر) وجلطة مجانية…
– النقاش مع واحد (سفسطائي) زي اللي بيصارع بقرة في الطين.. أنت بتتوسخ وهو بيبقى مبسوط…
– بقينا عايشين في مجتمع بيموت فيه الغلبان من الجوع.. والناس ماسكة في رقاب بعضها عشان (إيموجي) ضحك..
– قبل.. ان نختلف …نتفق… ان نحترم الاختلاف
عدا ذلك فالفصل بيننا قول الفيلسوف اليونانى فيثاغورث …(لاتجادل الأحمق قد يتعذر على الآخرين أن يفرقا بينكما )..
إلى اللقاء،،،،







