
انتهت رحلة الأموال فى الحلقة السابقة عند لحظة حاسمة؛ فبعد تقدير الخسائر، وتحديد أولويات التعافي، واعتماد التمويل، وبدء تنفيذ المشروعات، أصبحت المليارات جاهزة للانتقال إلى المرحلة الأخيرة من رحلته، فهنا لا تعود الأموال أرقامًا فى الموازنات، ولا تعهدات من الحكومات أو المؤسسات الدولية، وإنما تتحول إلى عقود شراء، ومشروعات بناء، وخدمات لوجستية، وتوريدات، وبرامج صحية، واستثمارات جديدة، ومن هذه اللحظة، يبدأ السؤال الذى يبحث عنه هذا التحقيق منذ البداية: من الذى استقبل هذه الأموال؟
وللإجابة، لا يتتبع التحقيق أسماء الشركات أولًا، بل يبدأ برسم خريطة للقطاعات الاقتصادية التى استحوذت على النصيب الأكبر من الإنفاق بعد الكوارث، ثم ينتقل داخل كل قطاع إلى الجهات الفاعلة فيه، اعتمادًا على الوثائق الرسمية، والقوائم المالية، وتقارير المؤسسات الدولية، والإفصاحات المنشورة، فالهدف ليس البحث عن متهمين، وإنما تتبع حركة المال حتى محطته الأخيرة، والكشف عن الكيفية التى تعيد بها الكوارث رسم خريطة النشاط الاقتصادى حول العالم.
أولًا: قطاع إعادة الإعمار… الوجهة الأولى للمليارات
تكاد تجمع تقارير المؤسسات الدولية على أن قطاع إعادة الإعمار يمثل الوجهة الأولى والأكبر للإنفاق بعد انتهاء مرحلة الاستجابة الطارئة. فبمجرد السيطرة على تداعيات الكارثة، تبدأ الحكومات فى الانتقال إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب أو الزلزال أو الكارثة الطبيعية، وهو ما يفتح الباب أمام تدفقات مالية ضخمة تمتد لسنوات.
وفقًا للتقييم الرابع السريع للأضرار واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار في أوكرانيا (RDNA4)، الصادر عن الحكومة الأوكرانية، والبنك الدولي، والمفوضية الأوروبية، والأمم المتحدة في فبراير 2025، بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار نحو 524 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يعكس حجم الموارد المالية المطلوبة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية.
ولا يكتفي التقرير بتقدير إجمالي الاحتياجات، بل يحدد القطاعات التي ستستحوذ على النصيب الأكبر من التمويل، فجاء قطاع الإسكان في مقدمة الأولويات باحتياجات بلغت نحو 84 مليار دولار، تلاه قطاع النقل بنحو 78 مليار دولار، ثم قطاع الطاقة بحوالي 68 مليار دولار، ثم قطاع التجارة والصناعة بنحو 64 مليار دولار، فيما احتاج قطاع الزراعة إلى أكثر من 55 مليار دولار.
الوثيقة رقم (1): التقييم الرابع السريع للأضرار واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار في أوكرانيا (RDNA4)، الصادر عن الحكومة الأوكرانية، والبنك الدولي، والمفوضية الأوروبية، والأمم المتحدة، فبراير 2025.
وتكشف هذه الأرقام حقيقة مهمة؛ فالمليارات لا تتجه مباشرة إلى الشركات، وإنما تُخصص أولًا لقطاعات اقتصادية بعينها، وفقًا لحجم الأضرار وأولويات التعافي. وبعد اعتماد هذه الأولويات، تبدأ الحكومات والجهات الممولة في طرح المشروعات والعقود اللازمة لتنفيذها، لتنتقل الأموال بعد ذلك إلى الجهات المنفذة، ولا يقتصر هذا النمط على أوكرانيا وحدها.
وفقًا لتقييم البنك الدولي للأضرار الناجمة عن زلزال تركيا في فبراير 2023، قُدرت الأضرار المباشرة بنحو 34.2 مليار دولار، بينما تركزت الاحتياجات العاجلة في إعادة بناء المساكن، وإصلاح شبكات النقل، واستعادة خدمات الكهرباء والمياه والمرافق العامة، وهو ما يعكس نمطًا مشابهًا في ترتيب أولويات الإنفاق، رغم اختلاف طبيعة الكارثة.
الوثيقة رقم (2): تقرير البنك الدولي لتقييم الأضرار الناجمة عن زلزال تركيا، مارس 2023.
وتقودنا هذه النتائج إلى استنتاج أولي يدعمه مسار البيانات والوثائق: القطاع الأول الذي تستقبله أموال الكوارث ليس شركة بعينها، وإنما قطاع إعادة الإعمار بكل ما يضمه من أنشطة، تبدأ بالإسكان والبنية التحتية، ثم تمتد إلى النقل والطاقة والخدمات العامة، قبل أن تصل في مراحل لاحقة إلى الشركات المنفذة والموردين.
ومن هنا تبدأ المرحلة التالية من رحلة الأموال: من هم اللاعبون الرئيسيون داخل قطاع إعادة الإعمار؟ وكيف تتحول خطط البناء إلى عقود بمليارات الدولارات؟
من الخطة إلى العقد… كيف تبدأ رحلة التنفيذ؟
لا تتحول خطط إعادة الإعمار إلى مشروعات بين ليلة وضحاها، فبعد اعتماد التمويل وتحديد أولويات الإنفاق، تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في تحويل الاحتياجات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، ثم إلى عقود تُطرح أمام الجهات القادرة على تنفيذها.
وفقًا للبنك الدولي، تعتمد مشروعات إعادة الإعمار التي تمولها المؤسسات الدولية على أنظمة للمشتريات العامة تهدف إلى ضمان المنافسة والشفافية وتحقيق أفضل قيمة مقابل المال، وتشمل هذه الأنظمة إعداد الدراسات الفنية، وتحديد نطاق الأعمال، وطرح المناقصات، وتقييم العروض، ثم إبرام العقود مع الجهات الفائزة.
وتختلف آليات التعاقد من دولة إلى أخرى، كما قد تختلف باختلاف طبيعة الكارثة، إلا أن القاسم المشترك يتمثل في أن الأموال لا تُصرف مباشرة إلى الشركات، وإنما تمر أولًا عبر إجراءات تخطيط واعتماد ومشتريات، قبل أن تصل إلى الجهات المنفذة.
وفي حالات الطوارئ، قد تلجأ بعض الحكومات والجهات الممولة إلى إجراءات استثنائية تسمح بتسريع عمليات التعاقد، بهدف إعادة الخدمات الأساسية في أسرع وقت ممكن. إلا أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها في بعض الظروف، تستدعي في المقابل تعزيز الرقابة والشفافية، لضمان حسن إدارة الأموال العامة.
وبمجرد توقيع العقود، تبدأ مرحلة جديدة في رحلة الأموال؛ إذ تنتقل المخصصات المالية من الحسابات الحكومية وصناديق التمويل إلى الجهات المنفذة، التي تتولى تنفيذ مشروعات الإسكان، والطرق، والجسور، وشبكات الكهرباء والمياه، وغيرها من المشروعات المرتبطة بإعادة الإعمار، وهنا يتغير السؤال مرة أخرى، فبدلًا من التساؤل عن حجم الأموال أو آليات توزيعها، يصبح السؤال: من هي الجهات التي تفوز بهذه العقود؟ وهل تتكرر أسماء بعينها في مشروعات إعادة الإعمار حول العالم؟
من ينفذ مشروعات إعادة الإعمار؟
تكشف مراجعة برامج إعادة الإعمار التى أشرف عليها البنك الدولى، والأمم المتحدة، والحكومات الوطنية، أن تنفيذ هذه المشروعات لا يقتصر على جهة واحدة، بل يعتمد على شبكة واسعة من الأطراف، لكل منها دور مختلف فى تحويل التمويل إلى مشروعات قائمة على الأرض.
وتأتى فى مقدمة هذه الجهات شركات المقاولات والإنشاءات، التى تتولى تنفيذ أعمال بناء المساكن، وإصلاح الطرق والجسور، وإعادة تأهيل المبانى العامة وشبكات البنية التحتية. وإلى جانبها تعمل شركات الاستشارات الهندسية، التى تضع التصميمات وتشرف على التنفيذ، فضلًا عن شركات توريد مواد البناء، ومصنعى الأسمنت والحديد، وشركات المعدات الثقيلة، ومقدمى الخدمات اللوجستية.
وفقًا لإطار المشتريات بالبنك الدولى (World Bank Procurement Framework)، تُمنح العقود من خلال إجراءات تنافسية تستهدف اختيار الجهة القادرة على تنفيذ المشروع وفقًا للمعايير الفنية والمالية، مع مراعاة الكفاءة والخبرة والسعر، بينما تخضع المشروعات الممولة من المؤسسات الدولية لمتابعة دورية لضمان الالتزام بشروط التمويل.
ولا يعنى ذلك أن جميع العقود تكون متشابهة؛ فهناك عقود صغيرة تتعلق بتوريد المعدات أو الخدمات، وأخرى تمتد لسنوات وتشمل إعادة بناء مدن أو شبكات بنية تحتية كاملة، وقد تصل قيمة بعضها إلى مئات الملايين من الدولارات.
ومع اتساع حجم الإنفاق، يتزايد عدد الجهات المشاركة فى التنفيذ، وتتشابك المصالح الاقتصادية بين المقاولين، والموردين، والاستشاريين، والمؤسسات المالية، بما يجعل قطاع إعادة الإعمار أحد أكثر القطاعات نشاطًا بعد الكوارث الكبرى.
لكن هل تتوزع هذه العقود على عدد كبير من الشركات، أم أن المشروعات الكبرى تذهب فى الغالب إلى مجموعة محدودة من الشركات ذات الخبرة والقدرة المالية؟
للإجابة عن هذا السؤال، تتبع التحقيق عددًا من العقود المعلنة والوثائق الرسمية، لرصد الجهات التى برز اسمها فى مشروعات إعادة الإعمار، وكيف حصلت على تلك العقود، وما إذا كان هذا النمط يتكرر من كارثة إلى أخرى.
تطبيق عملي (1): أوكرانيا… عندما تتحول مليارات الإعمار إلى مشروعات
بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، لم يعد السؤال المطروح داخل أوكرانيا يقتصر على حجم الدمار، بل أصبح يتمحور حول كيفية إعادة بناء دولة تعرضت أجزاء واسعة من بنيتها التحتية للتدمير.
وفقًا للوثيقة رقم (1) “التقييم الرابع السريع للأضرار واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار (RDNA4)”، قُدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 524 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وهو رقم يعادل ما يقرب من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا قبل الحرب.
وتوضح الوثيقة أن الجزء الأكبر من هذه الأموال لن يذهب إلى بند واحد، وإنما سيتوزع على قطاعات رئيسية تمثل العمود الفقري لعملية إعادة البناء، فجاء قطاع الإسكان في مقدمة الأولويات، تلاه النقل، ثم الطاقة، فالتجارة والصناعة، ثم الزراعة.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تكلفة إصلاح المباني والمنشآت، بل تكشف عن خريطة اقتصادية جديدة ستنشأ حول مشروعات إعادة الإعمار، حيث تتحول احتياجات الدولة إلى آلاف المشروعات التي تتطلب تصميمًا، وتمويلًا، ومناقصات، وعقودًا، وتنفيذًا، ثم متابعة ورقابة.
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن إعادة الإعمار لن تتم من خلال مشروع واحد أو جهة واحدة، وإنما عبر برامج متعددة، يشارك فيها القطاع العام، والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص، وفقًا لقواعد المشتريات والتمويل المعتمدة لكل برنامج.
ومن هنا تبدأ رحلة جديدة للأموال؛ فبعد أن كانت مجرد تقديرات للاحتياجات، تتحول إلى مشروعات فعلية، ثم إلى عقود تمنح لجهات تنفيذية تتولى إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وهنا يطرح التحقيق سؤالًا جديدًا: من هي الجهات التي ستنفذ هذه المشروعات؟ وهل تكشف الوثائق عن نمط متكرر في الجهات التي تحصل على عقود إعادة الإعمار؟
تتبع العقود… الطريق إلى المستفيدين
تكشف وثائق إعادة الإعمار أن الأموال لا تنتقل مباشرة من الجهات الممولة إلى الشركات، بل تمر أولًا عبر منظومة من المشروعات والعقود، تمثل الحلقة الفاصلة بين التمويل والتنفيذ.
وبمجرد اعتماد خطط التعافي، تبدأ الحكومات والجهات المانحة في الإعلان عن مشروعات إعادة البناء، سواء من خلال المناقصات العامة أو برامج التمويل المخصصة، لتدخل بعدها الشركات والمؤسسات المؤهلة في منافسة للفوز بتنفيذ تلك المشروعات.
وتُظهر قواعد المشتريات المعتمدة لدى البنك الدولي أن كل مشروع يمر بعدة مراحل، تبدأ بتحديد الاحتياج، ثم إعداد المواصفات الفنية، وإعلان المنافسة، وتقييم العروض، وصولًا إلى توقيع العقد وإعلان الجهة الفائزة، وهو ما يترك خلفه سجلًا من الوثائق يمكن تتبعه وتحليله.
وهنا تتغير زاوية التحقيق، فبدلًا من التساؤل: من يربح من الكوارث؟ يصبح السؤال الأكثر دقة هو: من يفوز بعقود إعادة الإعمار؟ وهل يتكرر ظهور جهات بعينها في المشروعات الكبرى؟
وللإجابة عن هذا السؤال، “اعتمد التحقيق على تتبع المشروعات المعلنة، والتمويلات الرسمية، والوثائق والإفصاحات الصادرة عن الحكومات والمؤسسات الدولية، إلى جانب ما أُعلن عن الشركات المشاركة في تنفيذ أعمال إعادة الإعمار، لرصد الجهات التي حصلت على نصيب من هذه المشروعات في الحالات الثلاث محل الدراسة، وتحليل طبيعة المشروعات، وقيم التمويل، والجهات التي موّلتها.”.ويبدأ هذا التتبع من أوكرانيا، باعتبارها واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار المتوقع تنفيذها في العالم خلال العقود المقبلة، والتي أفرزت منذ السنوات الأولى للحرب عشرات المشروعات الممولة من الحكومات والمؤسسات المالية الدولية.
أوكرانيا… أكبر ورشة إعادة إعمار في أوروبا
مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، لم يعد الحديث يقتصر على حجم الدمار أو الخسائر البشرية، بل امتد إلى ملف آخر لا يقل أهمية، وهو إعادة إعمار دولة تشير التقديرات الدولية إلى أن تكلفة إعادة بنائها تتجاوز مئات المليارات من الدولارات.
ومنذ السنوات الأولى للحرب، أعلنت حكومات غربية ومؤسسات مالية دولية وبنوك تنمية عن حزم تمويل ضخمة لدعم مشروعات التعافي وإعادة الإعمار، شملت قطاعات الإسكان والطاقة والنقل والمياه والصحة والتعليم، فيما بدأت شركات هندسية ومقاولات واستشارات عالمية في الظهور ضمن المشروعات التي أُعلن عنها تباعًا.
ولأن التحقيق لا يسعى إلى إحصاء جميع المشروعات، بل إلى تتبع مسار الأموال، فقد ركز على رصد الجهات الممولة، وحجم التمويلات المعلنة، وأبرز الشركات التي شاركت في تنفيذ أو إعداد مشروعات إعادة الإعمار، اعتمادًا على البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومات والمؤسسات الدولية، وما أُعلن من برامج ومشروعات حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق.ومن خلال هذا التتبع، تتكشف خريطة توضح كيف تحولت عملية إعادة إعمار أوكرانيا إلى واحدة من أكبر الأسواق العالمية للمشروعات والبنية التحتية، بما يجذب شركات من قطاعات الإنشاءات والهندسة والطاقة والخدمات الاستشارية، في سباق للحصول على نصيب من التمويلات الدولية.
من موّل إعادة إعمار أوكرانيا؟
منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، أعلنت الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية عن حزم تمويل متتالية لدعم التعافي وإعادة الإعمار في أوكرانيا، شملت منحًا وقروضًا وضمانات ائتمانية وتمويلات مخصصة لإصلاح البنية التحتية والخدمات الأساسية. ومع مرور الوقت، تحولت عملية إعادة الإعمار إلى واحدة من أكبر برامج التمويل الدولية في العالم، تشارك فيها عشرات الجهات المانحة.
وتُظهر البيانات الرسمية أن الجزء الأكبر من هذه التمويلات لم يُصرف مباشرة إلى شركات المقاولات، وإنما جرى تخصيصه عبر برامج تنفذها الحكومة الأوكرانية أو المؤسسات المالية الدولية، التي تتولى بدورها طرح المشروعات واختيار الجهات المنفذة وفقًا لقواعد المشتريات المعتمدة لديها.
وتتنوع مصادر التمويل بين بنوك التنمية متعددة الأطراف، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والدول المانحة، فيما تركزت الاستثمارات على إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والطاقة، وإصلاح الطرق والجسور، وإعادة بناء المساكن، وترميم المدارس والمستشفيات، إلى جانب دعم شبكات المياه والصرف الصحي والخدمات البلدية.
ولا تقتصر أهمية هذه التمويلات على قيمتها المالية، بل تمتد إلى كونها المدخل الرئيسي لفهم حركة مشروعات إعادة الإعمار، إذ إن كل برنامج تمويلي يفتح الباب أمام سلسلة من المشروعات التي تُنفذها شركات هندسية ومقاولات واستشارات من جنسيات مختلفة، وفقًا لطبيعة كل مشروع والجهة الممولة له.
ومن هنا يبدأ التحقيق في تتبع أبرز الجهات التي قادت تمويل إعادة إعمار أوكرانيا، مع رصد قيمة التمويلات المعلنة، والقطاعات التي استهدفتها، وأسماء الشركات التي أُعلن عن مشاركتها في تنفيذ تلك المشروعات، استنادًا إلى الوثائق الرسمية والإعلانات الصادرة عن الجهات المانحة والمؤسسات الدولية.تكشف هذه الأرقام أن تمويل إعادة إعمار أوكرانيا لم يعتمد على مصدر واحد، بل توزع بين مؤسسات التمويل الدولية والحكومات الغربية. وتوضح البيانات أن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي تصدرا المشهد من حيث حجم الالتزامات المالية، بينما لعب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك الاستثمار الأوروبي أدوارًا رئيسية في تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة، في حين ركزت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على دعم الخدمات الأساسية وبرامج التعافي المؤسسي.
من موّل المشروعات… ومن نفذها؟
لم يكن إعلان مليارات الدولارات واليورو نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة جديدة، انتقلت فيها الأموال من حسابات الجهات المانحة إلى مشروعات على الأرض، عبر مناقصات وبرامج تعاقدية شملت قطاعات الطاقة والنقل والإسكان والمرافق العامة.
وتُظهر الوثائق الرسمية الصادرة عن المؤسسات الدولية والحكومة الأوكرانية أن تنفيذ هذه المشروعات لم يقتصر على الشركات المحلية، بل شاركت فيه شركات هندسية واستشارية ومقاولات من دول مختلفة، حصلت على عقود لتصميم وتنفيذ وإدارة مشروعات إعادة الإعمار، كلٌ وفقًا لطبيعة البرنامج والجهة الممولة.
وبفحص المشروعات المعلنة، يتبين أن الشركات المشاركة توزعت بين شركات متخصصة في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء، وأخرى في إنشاء وإصلاح الطرق والجسور، إلى جانب شركات الاستشارات الهندسية وإدارة المشروعات، التي تولت إعداد الدراسات والإشراف على التنفيذ.
ولم يكن ظهور هذه الشركات استثناءً، بل جاء نتيجة طبيعية لآليات المشتريات التي تعتمدها مؤسسات التمويل الدولية، والتي تتيح للشركات المؤهلة التنافس على تنفيذ المشروعات الممولة، وفقًا لمعايير فنية ومالية محددة.
وفي الصفحات التالية، يرصد التحقيق أبرز الشركات التي أُعلن عن مشاركتها في مشروعات إعادة إعمار أوكرانيا، وطبيعة الأعمال التي نفذتها، والجهات التي موّلت تلك المشروعات، في محاولة لرسم خريطة تربط بين التمويل والتنفيذ.
من يقتنص مشروعات إعادة الإعمار؟
تكشف مراجعة المشروعات المعلنة أن الشركات الفائزة لا تنتمي إلى دولة واحدة، لكنها تتركز في عدد محدود من الشركات العالمية المتخصصة في الهندسة والاستشارات وإدارة المشروعات، والتي تمتلك خبرات سابقة في تنفيذ برامج إعادة الإعمار عقب النزاعات والكوارث الطبيعية.
كما توضح البيانات أن الجزء الأكبر من هذه الشركات لا يعمل كمقاول منفذ فقط، بل يقدم خدمات تشمل إعداد الدراسات، والتخطيط، والإشراف الهندسي، وإدارة المشروعات، وهي مراحل تسبق تنفيذ أعمال البناء نفسها، ما يمنحها حضورًا مبكرًا في دورة إعادة الإعمار.
وبينما تتولى الشركات المحلية تنفيذ جانب من الأعمال الإنشائية، تميل الجهات المانحة إلى الاستعانة بشركات دولية في الأعمال الاستشارية والإدارة والرقابة الفنية، مستفيدة من خبراتها السابقة في المشروعات الممولة دوليًا.
ماذا تكشف البيانات؟
لا تشير البيانات التي جمعها التحقيق إلى أن أموال إعادة إعمار أوكرانيا ذهبت إلى جهة واحدة أو شركات بعينها، لكنها تكشف نمطًا متكررًا في إدارة مشروعات إعادة الإعمار. فالمؤسسات المالية الدولية والحكومات المانحة تضخ التمويل، بينما تتولى الوزارات والهيئات الحكومية طرح المشروعات، لتدخل بعدها شركات الهندسة والمقاولات والاستشارات في منافسة على تنفيذ الأعمال.
وتُظهر الوثائق الرسمية أن الجزء الأكبر من التمويلات تركز في قطاعات الطاقة، والنقل، والإسكان، والخدمات الأساسية، وهي القطاعات التي تعرضت لأكبر قدر من الدمار منذ اندلاع الحرب. كما تكشف أن الشركات الدولية المتخصصة في الاستشارات وإدارة المشروعات كانت من أوائل المستفيدين من برامج التعافي، إلى جانب شركات محلية تولت تنفيذ جانب من أعمال الإنشاءات وإعادة التأهيل.
ولا يخلص التحقيق إلى وجود مخالفات في منح هذه المشروعات، إذ إن غالبية التمويلات خضعت لآليات المشتريات المعتمدة لدى الجهات المانحة، لكن البيانات تؤكد أن الكوارث والحروب تخلق في الوقت نفسه سوقًا اقتصادية ضخمة، تتحرك فيها مليارات الدولارات عبر شبكات من الجهات الممولة، والمؤسسات المنفذة، والشركات المتنافسة على تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار.
وبذلك تمثل أوكرانيا نموذجًا واضحًا لكيفية انتقال الأموال من التعهدات الدولية إلى مشروعات على الأرض، عبر منظومة متكاملة من التمويل والتخطيط والتنفيذ، وهو النموذج الذي يتكرر، بدرجات متفاوتة، في أزمات وكوارث أخرى حول العالم.



