يطل علينا كل عام مشهد غريب ومثير للجدل في نهاية شهر أكتوبر، حين يتحول العالم فجأة إلى لوحة من الرعب والظلام، وجوه مخيفة.. دماء مزيفة.. أشباح متنكرة.. وضحكات تتناثر وسط صرخات الرعب. إنه عيد الهالوين، ذاك الاحتفال الذي يراه البعض “مزحة مرعبة”، بينما يعتبره آخرون بوابة لطقوس غامضة وشبه شيطانية تمس العقيدة والأخلاق والهوية الثقافية.
جذور الظلام.. من أين جاء الهالوين؟
تعود جذور هذا العيد إلى آلاف السنين، وتحديدًا إلى احتفالات الكلت الوثنية في أوروبا القديمة، حيث كان يُعرف باسم “سامهاين” عيد الموتى والظلام، الذي كان يعتقد فيه الناس أن الأرواح تعود إلى الأرض ليلة 31 أكتوبر لتزور الأحياء.
كانت تُشعل النيران وتُقدم القرابين لإرضاء الأرواح وطرد الشر، ثم تطورت هذه الطقوس لاحقًا عبر القرون حتى تبناها الغرب بشكل مختلف، لكنها احتفظت بروح الرعب والظلام التي نشأت منها.
بين الأسطورة والواقع.. كيف تحوّل الهالوين إلى مهرجان عالمي؟
في الولايات المتحدة، أصبح الهالوين صناعة ضخمة ومصدرًا هائلًا للربح، حيث تُنفق مليارات الدولارات سنويًا على الأزياء والمكياج والحفلات والحلوى.
لكن خلف هذه الألوان الزاهية والأقنعة اللامعة، تختبئ ثقافة خطيرة تُشجّع الأطفال والمراهقين على تمجيد الرعب والموت والسحر.
فالاحتفال الذي كان يومًا طقسًا وثنيًا، صار اليوم مهرجانًا تجاريًا عالميًا يغذي ثقافة الانحراف والعبث بالقيم، حتى أصبح من المألوف أن ترى أطفالًا يرتدون زيّ الشياطين والموتى ويطرقون الأبواب طلبًا للحلوى.
طقوس غريبة وممارسات مثيرة للجدل
ورغم المظهر “المرح” الظاهري، إلا أن كثيرًا من التقارير والدراسات تشير إلى أن ليلة الهالوين تشهد تصاعدًا في الجرائم والاعتداءات وممارسات السحر والشعوذة في بعض الدول الغربية.
هناك من يستغل الظلام والتنكر في تنفيذ جرائم مروعة، وهناك من يرى أن هذا اليوم فرصة لممارسة طقوس عبادة الشيطان أو “استدعاء الأرواح” في جلسات سرية تُقام بعيدًا عن الأعين.
بل إن بعض الكنائس المسيحية نفسها حرّمت المشاركة في هذا الاحتفال واعتبرته خروجًا عن التعاليم الدينية.
الهالوين في مجتمعاتنا.. غزو ثقافي أم ترفيه بريء؟
الخطير اليوم أن الهالوين بدأ يتسلل إلى مجتمعاتنا العربية، فترى شبابًا وفتيات يقلدون الغرب في الملابس والمكياج والاحتفالات، دون وعي بجذور هذا اليوم وما يحمله من رموز مظلمة.
تحوّل الأمر إلى موضة فارغة ومعاكسة لقيمنا الدينية والاجتماعية، حتى أصبح البعض يتفاخر بصوره في حفلات الرعب وكأنه يشارك في حدث عالمي، متناسيًا أن تلك الطقوس تمجد الموت لا الحياة، وتُروّج للظلام لا النور.
كلمة أخيرة..
ليس كل ما يأتي من الغرب حضارة.
فالهالوين، في جوهره، احتفال بالخوف والموت والشياطين، مهما حاولوا تجميله بالألوان والحلوى.
هو تطبيع ناعم مع ثقافة الظلام والانفلات الأخلاقي، يُغلفها الغرب في ثوب “المرح”، بينما هي في الحقيقة رمز لانهيار القيم وفقدان المعنى.
فهل نحتاج حقًا إلى أن نحتفل بالموت كي نشعر أننا أحياء؟







