عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: «خليها تنظف» تبدأ من جديد

في زمنٍ باتت فيه الحدود بين الخاص والعام تنفلت على شاشات الهواتف المحمولة، عادت الدولة لتفرض قواعدها على ساحة افتراضية تجرّأت على اختراق القيم العامة. حملة «خليها تنظف» التي اندلعت مجدداً ليست صيحة شعبية عابرة ولا هتافًا عاطفيًا، بل عملية أمنية ممنهجة شاركت فيها إدارات مباحث الإنترنت ومباحث الآداب على نحو أوسع وأقسى من أي وقت مضى، وبغطاء مؤسسي واضح من وزارة الداخلية للحد من تدهور المشهد الأخلاقي على منصات التواصل.

الوقائع على الأرض تقول ما لا يقبل اللبس: بلاغات متعددة وتحرّيات سريعة وإجراءات ضبط وإحضار ضد من ينشرون المحتوى الفاضح أو التسبب في انحلال المجتمع عبر منصات مثل «تيك توك» وغيرها. هذه الحملة لم تولد من فراغ — فقد تزايدت شكاوى ذوي القيم والمواطنين من انتشار مقاطع تستعرض سلوكًا منحرفًا أو تستفز القيم العامة، وتحوّلت بعض الصفحات إلى أدوات للترويج للفسق والابتزاز، وهو ما استدعى تحركًا رسميًا سريعًا.

مفهوم «التطهير» هنا هو إعادة ضبطٍ لا مجاملة فيه: تضييق الخناق على المروّجين للمحتوى المخل، ملاحقة حالات الابتزاز الإلكتروني، والتحقيق مع المتورطين في استغلال الشباب ورخص القيم لتحقيق متابعات ومكاسب مادية. إدارة مكافحة جرائم الحاسبات ليست جهة شكلية في هذا الملف — لقد أُنشئت خطوطإبلاغ ساخنة وإجراءات متابعة إلكترونية تتيح للضحية أن يبلغ من منزله وتتابع الأجهزة القضية قانونياً وإجرائياً. هذا المسار لم يعد ترفًا قانونيًا بل ضرورة لحماية المجتمع من تحوّلٍ سريع يهدد النسيج الاجتماعي.

لكن الحملة ليست خالية من الأسئلة والمخاوف: كيف نحقق الردع من دون اختزال الحرية؟ وأين الخط الفاصل بين ضبط الجريمة والحريات الرقمية المشروعة؟ الواقع يؤكد أن هناك ضرورة لقانون واضح وشفاف يميّز بين التعبير المشروع والتحريض أو الترويج للانحلال. وكذلك هناك حاجة لتطبيقٍ رشيد يميّز بين التهوّر الإعلامي والمقصود الجنائي، لأن أي تفسير مفرط قد يقود إلى تكميم حرية الرأي أو استعمال أدوات إنفاذ القانون كقمعٍ للمنتقدين.

الرسالة التي يرسلها هذا التحرك الأمني صريحة: لن تظل الساحة الرقمية خارج سلطة القانون. لكن على الجهة المنفذة ألا تغفلَ عن قواعد العدالة والشفافية. مطلوب أن تُعلن الأجهزة فور إتمام إجراءاتها عن معايير واضحة، وأن يُتاح للجمهور معرفة القنوات الرسمية للتبليغ والمتابعة، بدلاً من اعتماد مناخ الاعتقاد بأن أي تصرّف يُعدُّ ذريعة للاعتقال أو التحقيق. كذلك على المتابعة القضائية أن تكون سريعة وحاسمة لضمان ردع حقيقي لا مجرد إجراءات شكلية.

إلى أولئك الذين يروّجون للمحتوى الفاسد بخطابات براقة ومؤثرات رخيصة: الشعب لم يعد يتساهل، والمؤسسات لن تقف مكتوفة الأيدي أمام صناعة ثقافة تفكك الأسرة والمجتمع. وإلى الحكومة: إذا كانت النية الحفاظ على الأخلاق العامة، فلتسرع في إصدار ضوابط حماية واضحة، ولتكثّف حملات التوعية بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات الأمنية فقط. أخيراً، إلى روّاد ومستخدمي السوشيال ميديا: عبروا عن أنفسكم ضمن قواعد تحترم المجتمع ولا تسيء إلى كرامة البشر.

خلاصة القول: «خليها تنظف» ليست مجرد هاشتاج؛ إنها اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على ضبط الفضاء الرقمي قبل أن ينسلخ المجتمع من مرجعيته. المطلوب حسم، ولكن مع عدالة وشفافية تحمي الحريات المشروعة وتقطع الطريق على المتسترين خلف شاشات الهواتف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى