عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: “الأمل للبيع أونلاين”.. حين تتحول الجريمة إلى منصة رقمية عابرة للعقول

لنكن واضحين منذ السطر الأول ما يحدث ليس «دجلًا مطورًا» بل جريمة منظمة مكتملة الأركان، تُدار بعقلية شركات، وتُنفَّذ بأدوات تكنولوجية، وتستهدف ضحايا يتم اصطيادهم بدقة كما تُصاد البيانات فى كبرى حملات الإعلانات. نحن أمام سوق سوداء جديدة، لا تبيع المخدرات أو السلاح، بل تبيع «الوهم المُقنن» مغلفًا بشعارات العلم والتقنية.

هنا، لا يجلس الدجال على حصير مهترئ، بل خلف شاشة عالية الدقة، يدير صفحات ممولة، ويستخدم أدوات تحليل سلوك المستخدمين، ليعرف متى تضغط، وماذا تخاف، وما الذى تبحث عنه فى لحظة ضعفك. ثم يقدّم لك «الحل» فورًا: فك سحر، جلب حبيب، رد مطلق، علاج حسد… وكل ذلك بضغطة زر و«فيزا كارد».

نحن أمام هندسة نفسية لا تقل خطورة عن الجريمة الإلكترونية الكبرى.

الإعلانات لا تُلقى عشوائيًا، بل تُوجَّه بدقة لمن يبحث عن «حل سريع»، لمن يكتب كلمات مثل «مشكلة زوجية»، «تعطيل زواج»، «حسد»، «ضيق رزق». الخوارزميات هنا تتحول إلى شريك فى الجريمة، حين تُستغل فى توجيه الضحايا إلى مصيدة مُحكمة.

ثم تأتى المرحلة الأخطر: بناء الثقة المزيفة.

مئات التعليقات الوهمية، حسابات تبدو حقيقية، فيديوهات «تجارب ناجحة»، صور قبل/بعد، تسجيلات صوتية مزيفة لضحايا مزعومين. كل شيء مُصمم ليخلق شعورًا واحدًا: «الجميع جرّب ونجح… لماذا لا أنت؟»

بعدها، تبدأ عملية «الاستنزاف»:

مبلغ أولى صغير لفتح الباب، ثم جلسات مدفوعة، ثم «مواد خاصة»، ثم «تعويذة إضافية»، ثم «خطر جديد يتطلب تدخلًا عاجلًا». الضحية لا يدفع مرة واحدة، بل يُستنزف تدريجيًا، حتى يجد نفسه غارقًا فى دائرة مغلقة من الخوف والدفع.

الصدمة الحقيقية؟ أن بعض الضحايا يعرف أنه يُخدع… لكنه يستمر.

لأن هذه العصابات لا تبيع خدمة، بل تبيع «الاعتماد النفسى». تجعل الضحية يربط أى تحسن—even لو كان وهميًا—بما يدفعه. وهنا يتحول الأمر من نصب إلى سيطرة عقلية ناعمة.

الأكثر خطورة أن هذه الشبكات لم تعد فردية، بل تعمل كـ«كيانات رقمية»:

فرق لإدارة الإعلانات

فرق للرد على الرسائل بأساليب إقناع مدروسة

قوالب جاهزة للسيناريوهات (حب، مال، مرض)

وسائل دفع متعددة تُخفى مسار الأموال

أحيانًا تشغيل من خارج الحدود لتفادى الملاحقة

نحن أمام اقتصاد موازٍ قائم على الخرافة، لكنه يستخدم أحدث ما أنتجته التكنولوجيا.

والكارثة الأكبر أن هذه الظاهرة تكشف خللًا مجتمعيًا عميقًا:

حين يفقد الإنسان الثقة فى الحلول الواقعية، يلجأ للوهم.

حين تتراكم الأزمات دون دعم نفسى أو اجتماعى حقيقى، يصبح الدجال هو «المُسكن» الوحيد المتاح.

لكن هذا لا يبرر الجريمة… بل يفضح البيئة التى تسمح لها بالانتشار.

المواجهة يجب أن تكون قاسية بقدر قسوة الجريمة:

أولًا: تجريم واضح وصريح لكل من يمارس أو يروج لهذا النشاط رقمياً، مع ملاحقة حقيقية لا شكلية.

ثانيًا: تتبع مالى إلكترونى يكشف مسارات الدفع ويغلق القنوات المستخدمة فى التحصيل.

ثالثًا: رقابة على الإعلانات الممولة التى تروج لمثل هذه الخدمات تحت مسميات مضللة.

رابعًا: حملات توعية صادمة، لا ناعمة، تكشف الأساليب والخدع بلا تجميل.

خامسًا: دعم نفسى ومجتمعى حقيقى يقلل من قابلية الأفراد للوقوع فى هذا الفخ.

وفى المقابل، هناك مسؤولية فردية لا يمكن تجاهلها:

لا يوجد «حل سحرى» لمشكلة حقيقية.

ولا يوجد «كود سرى» يغير مصيرك مقابل رسوم.

وكل من يبيع لك ذلك… لا يختلف عن أى محتال، مهما كانت لغته «علمية» أو مظهره «رقمى».

نحن لا نحارب دجالين… نحن نحارب صناعة كاملة للوهم.

وإذا لم يُواجه هذا الملف بجدية، سنجد أنفسنا أمام جيل يُدار بالخرافة عبر الإنترنت، ويُستنزف ماليًا ونفسيًا تحت لافتة «التكنولوجيا».

المعركة لم تعد بين حقيقة وخرافة فقط…

بل بين مجتمع يقاوم بعقله، وآخر يُسلم عقله لتطبيق على الهاتف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى