
أثار قرار مجلس الشيوخ في باراجواي عزل الرئيس سانتياجو بينيا، ووضعه قيد الإقامة الجبرية، موجة واسعة من الاهتمام الدولي، بعد أزمة مصرفية غير مسبوقة مرتبطة بانهيار بنك «أوينو»، تسببت في تجميد ودائع ملايين العملاء، وأشعلت احتجاجات غاضبة في مختلف أنحاء البلاد، وسط اتهامات سياسية ومالية طالت الرئيس السابق ومسؤولين مصرفيين.
وجاء عزل بينيا في أعقاب تصاعد الضغوط السياسية والشعبية على حكومته، بعد تدخل البنك المركزي في بنك أوينو بسبب مشكلات تتعلق بالملاءة المالية ومخالفات مصرفية مشتبه بها، وهو ما وضع النظام المالي في البلاد أمام أزمة كبيرة، امتدت تداعياتها إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند إقالة الرئيس، إذ أصدرت النيابة العامة قرارًا بوضعه قيد الإقامة الجبرية داخل منزله بالعاصمة أسونسيون، تمهيدًا لاستجوابه في اتهامات تتعلق بإساءة الأمانة واستغلال النفوذ وتحقيق مكاسب غير مشروعة، في تطور جديد يفتح الباب أمام مرحلة من التحقيقات القضائية والسياسية في البلاد.
عزل سانتياجو بينيا من رئاسة باراجواي
أقر مجلس الشيوخ في باراجواي عزل الرئيس سانتياجو بينيا، الجمعة 6 نوفمبر 2026، بعد تصويت بأغلبية ساحقة على إدانته في إجراءات المساءلة السياسية، على خلفية تداعيات أزمة بنك أوينو والاتهامات المتعلقة بسوء إدارة الأزمة ووجود تضارب محتمل في المصالح.
وسبق قرار مجلس الشيوخ تصويت مجلس النواب بالإجماع، الخميس، على بدء إجراءات العزل، بمشاركة نواب من حزب كولورادو الحاكم، في خطوة عكست اتساع دائرة المعارضة السياسية للرئيس، حتى داخل المعسكر الذي ينتمي إليه.
وكان بينيا قد أعلن استقالته من منصبه قبل التصويت على عزله، إلا أن البرلمان رفض المضي في قبول الاستقالة، وفضل استكمال إجراءات المساءلة السياسية، بما يترتب عليها من آثار قانونية ودستورية.
وجاء الإصرار على عزله بدلًا من قبول استقالته بسبب ما يترتب على الاستقالة من حصول الرئيس السابق تلقائيًا على عضوية مجلس الشيوخ مدى الحياة، وما يرتبط بها من حصانة برلمانية، وهو ما كان من شأنه تعقيد إجراءات ملاحقته قضائيًا.
وفي تطور متصل، وضعت السلطات في باراجواي الرئيس المعزول سانتياجو بينيا قيد الإقامة الجبرية داخل منزله بالعاصمة أسونسيون، عقب صدور قرار من النيابة العامة بضبطه وإحضاره للتحقيق.
وقالت المدعية العامة سيلفيا مارجريتا جونزاليس فيستر إن بينيا سيظل في منزله تحت الإقامة الجبرية، مشيرة إلى أنه سيخضع للاستجواب بشأن اتهامات تتعلق بإساءة الأمانة واستغلال النفوذ واختلاس الأموال.
كما شملت الإجراءات القضائية مسؤولين سابقين في القطاع المصرفي، من بينهم الرئيس السابق للبنك المركزي كارلوس كارفالو، الذي ارتبط اسمه بالتحقيقات المتعلقة بأزمة بنك أوينو.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار تحقيقات موسعة بشأن شبهات مخالفات مالية ومصرفية، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الأزمة واستعادة أموال المودعين.
تعود جذور الأزمة إلى الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، عندما تدخل البنك المركزي في باراجواي لفرض إجراءات تسوية على بنك «أوينو»، بعد اكتشاف تراجع حاد في مؤشرات الملاءة المالية ومخالفات تتعلق بمنح القروض والعمليات المصرفية.
وأدى القرار إلى تعطل الخدمات المصرفية وتجميد إمكانية وصول نحو 2.94 مليون عميل إلى حساباتهم ومدخراتهم، من بينهم آلاف المتقاعدين، وهو ما يمثل قرابة نصف سكان البلاد البالغ عددهم نحو 6.1 مليون نسمة.
وزادت خطورة الأزمة بسبب ارتباط البنك بإدارة أموال ومخصصات تابعة لمؤسسات حكومية وصناديق معاشات، إذ أشارت تقارير إلى وجود نحو 800 مليون دولار من الأموال العامة لدى البنك، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بشأن الرقابة المصرفية وآليات إدارة الأموال العامة.
كما فتحت السلطات تحقيقات بشأن شبهات منح قروض غير منتظمة لشركات مرتبطة بمالكي البنك، وسط اتهامات بوجود مخالفات مالية وتضارب في المصالح.
احتجاجات واسعة بعد تجميد أموال ملايين المودعين
وتسببت أزمة بنك أوينو في اندلاع احتجاجات واسعة بمختلف أنحاء باراجواي، بعدما وجد ملايين العملاء أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى مدخراتهم أو إجراء معاملاتهم المالية بصورة طبيعية.
وشهدت العاصمة أسونسيون ومدن أخرى تحركات احتجاجية، شارك فيها مواطنون ومودعون ومتقاعدون للمطالبة باستعادة أموالهم ومحاسبة المسؤولين عن انهيار البنك.
ولم تقتصر التداعيات على الجانب المصرفي، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي والتجاري، مع تراجع قدرة العديد من الأسر على الوفاء بالتزاماتها اليومية، وسط مخاوف من استمرار الاضطرابات المالية.
وفي مواجهة الأزمة، أعلن الرئيس الجديد لباراجواي، بيدرو أليانا، تعهده بتعويض المتضررين من انهيار البنك، مؤكدًا أن الدولة لن تترك المواطنين الذين تأثرت مدخراتهم دون حلول.
استقالة وزير الداخلية وتصاعد الأزمة السياسية
وامتدت تداعيات الأزمة إلى الحكومة، حيث أعلن وزير الداخلية إنريكي رييرا استقالته الخميس 5 نوفمبر 2026، بالتزامن مع تصاعد المطالبات السياسية بمحاسبة المسؤولين عن أزمة بنك أوينو.
وعُين كارلوس بينيتيس خلفًا له بالإنابة، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الاحتجاجات والتحقيقات المصرفية والإجراءات البرلمانية ضد الرئيس.
كما شهد الحزب الحاكم انقسامات بشأن مستقبل بينيا، بعدما تزايدت الضغوط المطالبة بعزله، وهو ما ساهم في تسريع إجراءات المساءلة السياسية داخل البرلمان.
عقب عزل سانتياجو بينيا، تولى نائبه السابق بيدرو أليانا رئاسة باراجواي، لاستكمال الفترة الرئاسية التي كان من المقرر أن تنتهي في أغسطس 2028.
وجاء انتقال السلطة في ظل تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة، أبرزها احتواء تداعيات انهيار بنك أوينو، وإعادة الثقة في النظام المصرفي، والعمل على إعادة الأموال إلى المودعين المتضررين.
وأكد أليانا في أول خطاب له عقب توليه الرئاسة أن المواطنين المتضررين من الانهيار المالي سيحصلون على تعويضات كاملة، متعهدًا بالتعامل مع الأزمة وعدم ترك المتضررين يواجهون تداعياتها بمفردهم.
سانتياجو بينيا يعتذر لشعب باراجواي
وكان سانتياجو بينيا قد نشر مقطع فيديو عبر حسابه على منصة «إكس»، أعلن خلاله استقالته من منصبه، وقدم اعتذارًا إلى الشعب إذا كان قد قصر في أداء مسؤولياته خلال فترة حكمه.
وأكد بينيا أنه لم تكن لديه نية لخيانة ثقة المواطنين، مشيرًا إلى أن أولويته تتمثل في طمأنة مواطني باراجواي الذين وضعوا مدخراتهم في النظام المالي للبلاد.
كما أعلن استعداده للمثول أمام مجلس الشيوخ والدفاع عن نفسه خلال إجراءات المساءلة، مؤكدًا تمسكه بحقه في تقديم دفاعه بشأن الاتهامات الموجهة إليه.
وفي سياق متصل، أعربت السفارة الأمريكية لدى باراجواي عن تضامنها مع الشعب، دون الإشارة بشكل مباشر إلى عزل الرئيس أو الاتهامات الموجهة إليه.
أزمة بنك أوينو تفتح مرحلة جديدة في باراجواي
تكشف تطورات الأزمة عن امتداد تأثير الانهيارات المصرفية إلى استقرار المؤسسات السياسية، خاصة عندما تتداخل مصالح القطاع المالي مع الأموال العامة والقرارات الحكومية.
وبين عزل الرئيس السابق ووضعه قيد الإقامة الجبرية، وتولي رئيس جديد السلطة، تواجه باراجواي مرحلة دقيقة تتطلب معالجة تداعيات الأزمة المصرفية، واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المالية، وتحديد المسؤوليات القانونية عن المخالفات التي كشفتها التحقيقات.
وتبقى استعادة مدخرات ملايين المودعين ومحاسبة المسؤولين عن الأزمة أبرز الملفات التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة في البلاد.






