
قالت الدكتورة ليلى الهمامي إن العلاقة بين المجتمعات العربية وتاريخها لا تزال علاقة متوترة ومليئة بالتناقضات، معتبرة أن الأمة لم تستوعب حتى اليوم الدروس العميقة التي خلفتها محطات الصراع والانقسام عبر قرون طويلة، الأمر الذي جعلها تعيد إنتاج الأزمات ذاتها بأشكال مختلفة.
وأوضحت الهمامي أن التاريخ العربي والإسلامي حافل بمحطات كبرى بدأت منذ الخلافات الأولى بين المهاجرين والأنصار، مرورًا بالفتنة الكبرى، ثم مراحل صعود وسقوط الدول والإمبراطوريات، وصولًا إلى انهيار الأندلس وتراجع النفوذ الحضاري الذي امتد يومًا على مساحات واسعة من العالم.
وأضافت أن المشكلة لا تكمن في التاريخ نفسه، بل في طريقة قراءته والتعامل معه، حيث ما زالت المجتمعات العربية تتعامل مع الماضي بمنطق التمجيد أو الإنكار، دون الوقوف أمام الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الانقسامات والتراجعات المتكررة.
وأكدت أن الأمة العربية تعيش حالة من التناقض بين الشعور بمرارة الهزيمة واستدعاء أمجاد الانتصارات القديمة، مشيرة إلى أن الفتوحات العسكرية التي حققت توسعًا جغرافيًا كبيرًا لم تكن كافية وحدها لضمان استمرارية القوة والسيادة، خصوصًا في ظل الصراعات الداخلية التي مزقت وحدة المجتمعات وأضعفت مؤسسات الدولة.
ورأت الهمامي أن آثار الحضارة العربية والإسلامية المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم تمثل شواهد على مرحلة تاريخية مؤثرة، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات حول أسباب التراجع وعدم القدرة على المحافظة على منجزات الماضي وتحويلها إلى مشروع حضاري مستدام.
وأشارت إلى أن العديد من الدول العربية عاشت خلال العقود الأخيرة تجارب مؤلمة من الانهيارات والصراعات الداخلية، مستشهدة بما شهدته دول مثل العراق وليبيا وسوريا من تحولات عاصفة، مؤكدة أن تكرار الأزمات يعكس غياب الاستفادة الحقيقية من دروس التاريخ.
واستحضرت الهمامي مقولة الفيلسوف والاقتصادي الألماني بأن “التاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة ومرة كمهزلة”، معتبرة أن واقع المنطقة يعكس إلى حد كبير هذا التوصيف، في ظل استمرار النزاعات والانقسامات وإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.
وأضافت أن بعض المظاهر السلبية المتجذرة في الثقافة السياسية والاجتماعية، مثل روح الثأر والإقصاء والانتقام، ما زالت تلقي بظلالها على الواقع المعاصر، وتعرقل بناء مجتمعات قادرة على التعايش وإدارة الاختلاف ضمن إطار الدولة والقانون.
واختتمت الهمامي حديثها بالتأكيد على أن الخروج من دائرة التراجع يتطلب مراجعة نقدية شجاعة للتاريخ، والانتقال من اجترار المآسي إلى استخلاص العبر منها، مشددة على أن مستقبل الأمة لن يُبنى باستحضار أمجاد الماضي فقط، بل بإرساء قيم العدالة والمؤسسات واحترام الإنسان وسيادة القانون.







