عاجلمقالات

نيرمين موسى تكتب: مياه كانجن بين التسويق والواقع العلمي

في ظل الانتشار المتزايد لأجهزة معالجة المياه المنزلية، برزت خلال السنوات الأخيرة منتجات تُسوَّق على أنها ثورة في عالم الصحة والعلاج، ومن أشهرها ما يُعرف بمياه “كانجن” التي تعتمد على تقنية التأين الكهربائي للمياه وإنتاج مستويات مختلفة من الحموضة والقلوية، بحيث يتم تخصيص كل نوع لغرض معين، سواء للشرب أو التنظيف أو العناية بالبشرة أو حتى الزراعة.

وتوضح النشرات التعريفية الخاصة بهذه المياه تقسيمها إلى عدة أنواع تبدأ من المياه الحمضية شديدة الحموضة بدرجة (pH 2.5) وصولًا إلى المياه القلوية القوية بدرجة (pH 11.5)، مع ادعاءات واسعة النطاق حول فوائد كل نوع.

فالمياه ذات درجة الحموضة 2.5 يتم الترويج لها باعتبارها مياهًا معقمة يمكن استخدامها لتطهير الجروح والخدوش والحروق البسيطة، وتعقيم الأسطح والأدوات المنزلية، وقتل بعض أنواع البكتيريا والجراثيم، كما تُستخدم في غسل الخضروات وتعقيم أدوات المطبخ وتقليل انتقال العدوى.

أما المياه ذات درجة الحموضة 6.0 فيُطلق عليها “مياه الجمال”، حيث يُروج لها بأنها مناسبة للعناية بالبشرة والشعر، إذ تساعد على شد الجلد والحفاظ على توازن الحموضة الطبيعية للبشرة، وتُستخدم كتونر طبيعي للوجه وبعد الحلاقة، كما يقال إنها تمنح الشعر لمعانًا وتقلل من التشابك.

وفي المنتصف تأتي المياه المتعادلة بدرجة 7.0 والتي تُعتبر مياه شرب عادية تحتوي على المعادن الطبيعية اللازمة للجسم، ويمكن استخدامها لتحضير أطعمة الأطفال والمشروبات اليومية دون أي تأثيرات خاصة.

أما المياه القلوية بدرجات تتراوح بين 8.5 و9.5 فهي الأكثر إثارة للجدل، حيث تُنسب إليها فوائد صحية عديدة مثل تحسين الهضم، والمساعدة في موازنة الحموضة داخل الجسم، ودعم الدورة الدموية، وزيادة ترطيب الجسم، وتحسين الطعم عند إعداد الشاي والقهوة والطهي، إضافة إلى استخدامها في نقع الخضروات والحبوب وتقليل الروائح النفاذة لبعض الأطعمة.

وتصل السلسلة إلى المياه القلوية القوية بدرجة 11.5 التي تُستخدم – وفق النشرات التسويقية – في إزالة بقايا المبيدات الحشرية من الفواكه والخضروات، وتنظيف الدهون والزيوت المتراكمة على الأسطح والأواني، وتنظيف الملابس وبعض الاستخدامات المنزلية الصعبة.

كما تمتد قائمة الاستخدامات لتشمل رعاية النباتات المنزلية، وتسريع إنبات البذور، والعناية بالحيوانات الأليفة، وتقليل الروائح الناتجة عن الفضلات، فضلًا عن استخدامات متعددة في التنظيف والتعقيم.

ورغم أن بعض هذه الاستخدامات المنزلية قد تستند إلى خصائص كيميائية معروفة للمياه الحمضية أو القلوية، فإن الجانب الأكثر حساسية يتعلق بالادعاءات الطبية والصحية. فحتى اليوم لا توجد أدلة علمية قاطعة ومعتمدة من المؤسسات الطبية الكبرى تؤكد أن شرب المياه القلوية يعالج الأمراض المزمنة أو يحقق نتائج علاجية استثنائية كما تروج بعض الحملات التسويقية.

ويؤكد الأطباء أن جسم الإنسان يمتلك آليات طبيعية دقيقة للحفاظ على توازن درجة الحموضة في الدم والأنسجة، وأن الكلى والرئتين تقومان بهذا الدور بشكل مستمر، وهو ما يجعل الكثير من الادعاءات المتعلقة بتغيير كيمياء الجسم عبر شرب نوع معين من المياه محل نقاش علمي مستمر.

ولا خلاف على أن الحصول على مياه نظيفة وآمنة يعد أساسًا للصحة الجيدة، لكن الخلاف يكمن في تحويل هذه المنتجات إلى ما يشبه “العلاج الشامل” لكل المشكلات الصحية، وهو ما يستوجب الحذر والاعتماد على الدراسات العلمية الموثقة قبل تبني أي مزاعم طبية.

إن المستهلك الواعي هو من يفرق بين الفوائد المؤكدة علميًا وبين الرسائل الدعائية الجذابة. فالتكنولوجيا قد تقدم حلولًا مفيدة في تحسين جودة المياه أو بعض الاستخدامات المنزلية، لكن صحة الإنسان تظل قضية أكبر من أن تُحسم بمنشور دعائي أو تجربة فردية.

ويبقى الفيصل دائمًا هو البحث العلمي الموثوق، ورأي الأطباء والمتخصصين، بعيدًا عن المبالغات التجارية التي قد تمنح الأمل للبعض دون أن تقدم الدليل العلمي الكافي لإثبات ما تعد به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى