
منع 3 شباب صعايدة من دخول صالة عرض لمشاهدة فيلم “أسد” يفتح ملف التمييز الطبقي وازدواجية المعايير داخل بعض الأماكن العامة
في واقعة أثارت غضبًا عارمًا بين أبناء الصعيد وكل من يؤمن بقيمة الهوية المصرية، فوجئ ثلاثة شباب صعايدة بمنعهم من دخول صالة عرض داخل Hilton Cairo Grand Nile أثناء توجههم لمشاهدة فيلم أسد، ليس بسبب تجاوز أو مخالفة أو سلوك خارج، ولكن فقط لأنهم كانوا يرتدون الجلباب الصعيدي.
نعم… الجلباب الصعيدي أصبح سببًا للمنع والإقصاء والإحراج أمام الناس.
واقعة تكشف بوضوح أن البعض مازال يتعامل مع أبناء الصعيد بعقلية طبقية متعالية، ترى أن “البدلة” عنوان للرقي، بينما الجلباب الصعيدي الذي يمثل تاريخ وهوية ملايين المصريين أصبح في نظرهم شيئًا غير مرحب به داخل بعض الأماكن التي تدّعي الفخامة والتحضر.
ما حدث ليس مجرد موقف فردي عابر كما سيحاول البعض تبريره، بل إهانة صريحة لكل صعيدي يعتز بتراثه، ولكل مصري يرى أن احترام الإنسان لا يكون بنوع ملابسه وإنما بأخلاقه وسلوكه.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة وغضب:
هل نحن كصعايدة غير معترف بالزي الرسمي بتاعنا داخل بلدنا؟
وهل أصبح ابن الصعيد مطالبًا بخلع هويته حتى يسمحوا له بالدخول؟!
الأكثر استفزازًا ووضوحًا في هذه الواقعة، أن نفس الأماكن التي تمنع الصعيدي من الدخول بجلبابه، تستقبل بكل ترحاب زوارًا خليجيين يرتدون الجلباب والثوب العربي، بل ويتم التعامل معهم باعتبار أن هذا الزي رمز للفخامة والرقي والاحترام.
إذن أين المشكلة؟!
إذا كان الجلباب الخليجي مقبولًا ومحترمًا، فلماذا يتحول الجلباب الصعيدي إلى أزمة؟
هل المشكلة في الملابس فعلًا؟
أم أن هناك نظرة دونية مرفوضة تجاه أبناء الصعيد أنفسهم؟!
الحقيقة المؤلمة أن ما حدث كشف ازدواجية معايير فجّة لا يمكن إنكارها.
فحين يرتدي الخليجي جلبابه يُنظر إليه بإعجاب، أما حين يرتدي الصعيدي جلبابه يُعامل وكأنه شخص “غير مناسب للمكان”!
أي إهانة هذه؟!
وأي سقوط أخلاقي وصل إليه البعض حتى أصبح المصري يُهان داخل بلده بسبب زيه التراثي؟!
الجلباب الصعيدي ليس زيًا عشوائيًا أو مظهرًا غير حضاري كما يحاول البعض تصويره، بل هو الزي الرسمي المعروف في محافظات الصعيد منذ مئات السنين، يرتديه الطبيب والمهندس ورجل الأعمال والنائب والعمدة والمزارع، ولم يكن يومًا دليلًا على التخلف أو قلة القيمة.
بل إن هذا الزي تحديدًا كان ومازال رمزًا للهيبة والرجولة والشهامة والوقار، وارتبط بتاريخ طويل من العادات والتقاليد التي صنعت جزءًا مهمًا من الشخصية المصرية.
الصعيد الذي قدّم لمصر رجالًا حملوا السلاح دفاعًا عنها، وخرج منه قضاة وعلماء وقادة وفنانون وإعلاميون، لا يمكن أن يُختزل أبناؤه في نظرة سطحية متعالية بسبب جلباب.
ومن العيب أن يشعر ابن الجنوب للحظة أن هويته أصبحت محل رفض أو سخرية داخل وطنه.
الكارثة الحقيقية ليست فقط في منع هؤلاء الشباب من مشاهدة فيلم، بل في الرسالة المهينة التي خرجت من الواقعة:
“ارتدِ ما يشبهنا حتى نقبلك.
وهنا تتحول القضية من مجرد منع دخول إلى قضية احترام هوية وكرامة وإنسانية.
إذا كانت هناك لوائح ملابس حقيقية داخل أي منشأة، فمن الواجب أن تُطبق على الجميع دون استثناء أو انتقائية
أما استخدام “الدريس كود” كوسيلة لفرز الناس اجتماعيًا وفق الشكل واللهجة والبيئة، فهذه ليست قواعد تنظيم، بل تمييز واضح ومرفوض.
ومن المؤسف أن بعض الأماكن داخل مصر أصبحت تحترم أي مظهر أجنبي أو خليجي أكثر من احترامها للهوية المصرية الشعبية الأصيلة.
وكأن التحضر عند البعض أصبح مرتبطًا بالماركات الأجنبية والملابس الغربية فقط، بينما التراث المصري يُعامل وكأنه شيء يجب إخفاؤه.
الحقيقة التي يجب أن يفهمها الجميع أن الجلباب الصعيدي ليس عارًا حتى يخجل منه صاحبه، بل هو رمز كرامة وهوية، ومن يحتقره فهو في الحقيقة يحتقر جزءًا من تاريخ مصر نفسها.
ما حدث مع هؤلاء الشباب الثلاثة لا يجب أن يمر مرور الكرام، لأنه يمس كرامة ملايين الصعايدة الذين مازالوا يعتزون بجلبابهم وتراثهم ولهجتهم وثقافتهم.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة وصريحة
هل أصبح المصري أقل احترامًا من الأجنبي داخل بلده؟
وهل الجلباب الخليجي مرحب به لأن صاحبه قادم من الخارج، بينما الجلباب الصعيدي يُرفض لأن صاحبه “ابن بلد
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لا نتحدث هنا عن واقعة منع دخول فقط
بل عن أزمة وعي حقيقية، وعن عنصرية اجتماعية مرفوضة يجب مواجهتها بكل حزم، لأن كرامة المصري لا تُقاس بشكل ملابسه، ولا يجوز أن تُهان على أبواب الفنادق أو قاعات السينما






