عاجلمقالات

أحمد سلام يكتب: مصر والكويت.. أخوة لا تصنعها المصالح بل تحفظها المواقف

ليست كل العلاقات بين الدول تُقاس بحجم الاتفاقيات أو أرقام الاستثمارات أو اللقاءات الدبلوماسية، فهناك علاقات تتجاوز حدود السياسة وتبقى راسخة في وجدان الشعوب مهما تغيرت الظروف وتعاقبت السنوات. ومن بين تلك العلاقات الاستثنائية، تظل العلاقة المصرية الكويتية واحدة من أكثر النماذج العربية صدقًا وثباتًا، لأنها لم تُبنَ على المصالح المؤقتة، بل تأسست على الاحترام المتبادل والمواقف النبيلة والتاريخ المشترك.

فالكويت بالنسبة للمصريين لم تكن يومًا مجرد دولة عربية للعمل أو السفر، بل كانت دائمًا أرضًا احتضنت أبناء مصر بمحبة وقدّرت دورهم وعطاءهم، حتى أصبح المصري جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة الكويتية على مدار عقود طويلة. فمن داخل المدارس والمستشفيات والجامعات والمؤسسات المختلفة، كان الحضور المصري حاضرًا بقوة، يشارك في البناء والتنمية وصناعة الأجيال، بينما وجد في المقابل احترامًا وتقديرًا من الشعب الكويتي الذي أدرك قيمة الإنسان المصري ومكانته.

ولأن العلاقات الحقيقية تُختبر وقت الشدائد، فقد أثبتت الأيام أن ما يجمع مصر والكويت أكبر من أي مصالح سياسية عابرة. فعندما تعرضت الكويت لأصعب محنة في تاريخها الحديث، كان الموقف المصري حاضرًا بقوة وشرف، قيادةً وجيشًا وشعبًا، دفاعًا عن الحق الكويتي ورفضًا لأي اعتداء على سيادة الدولة الشقيقة. ذلك الموقف لم يكن مجرد واجب سياسي، بل كان انعكاسًا لعلاقة أخوة حقيقية لا تعرف الحسابات الضيقة.

وفي المقابل، لم تتأخر الكويت يومًا عن الوقوف بجانب مصر في لحظاتها الصعبة، سواء بالدعم السياسي أو الاقتصادي أو بالمساندة الصادقة التي تؤكد عمق الروابط بين البلدين. لذلك بقيت العلاقة المصرية الكويتية عصية على كل محاولات التشويه أو الفتن التي تحاول بعض الجهات بثها عبر وسائل التواصل أو المنصات المشبوهة، لأن الشعوب التي تربطها المواقف الصادقة لا تهزمها الشائعات.

إن ما يميز العلاقة بين الشعبين هو ذلك القرب الإنساني الذي لا تصنعه السياسة وحدها. فالمصري داخل الكويت لا يشعر بالغربة، والكويتي في مصر يشعر أنه بين أهله. علاقات امتدت داخل البيوت والذكريات والأرزاق والنجاحات، حتى أصبحت الأخوة بين الشعبين جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا مجرد شعارات تُرفع في المناسبات.

وربما أخطر ما تواجهه الأمة العربية اليوم هو محاولات تفكيك الروابط بين شعوبها، وزرع الكراهية والتشكيك بدلًا من التماسك والوحدة. لكن تبقى بعض العلاقات العربية قادرة على الصمود لأنها مبنية على تاريخ طويل من الاحترام والوفاء، وفي مقدمتها العلاقة بين مصر والكويت، التي أثبتت أن المحبة الحقيقية لا تتغير بتغير الظروف.

إن الأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات والاقتصاد، بل تُبنى أيضًا بالمواقف الإنسانية والوفاء المتبادل، وهذا ما جسدته العلاقة بين البلدين عبر سنوات طويلة. فكم من مصري عاد من الكويت وهو يحمل في قلبه تقديرًا لشعب كريم احتواه ومنحه الأمان، وكم من كويتي وجد في مصر وطنًا ثانيًا يحمل له المحبة والاحترام.

وفي النهاية، ستظل مصر والكويت نموذجًا عربيًا نادرًا لعلاقة صنعتها الأخوة وحفظها التاريخ، وستبقى المحبة بين الشعبين أقوى من أي خلافات عابرة أو محاولات للوقيعة، لأن العلاقات الصادقة لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالمواقف التي تبقى خالدة في ذاكرة الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى