
شهدت قاعة ثروت عكاشة بمقر أكاديمية الفنون العريقة أجواءً ممتزجة بالحزن والتقدير خلال الأمسية التأبينية الضخمة التي نظمتها الأكاديمية بالتعاون مع نقابة المهن الموسيقية.
جاءت هذه الفعالية لتكريم مسيرة الفنان الراحل هاني شاكر الذي غيبه الموت تاركاً خلفه إرثاً فنياً عظيماً وصوتاً سيظل محفوراً في وجدان الملايين من محبيه في الوطن العربي.
وقد حرص الفنان مصطفى كامل نقيب المهن الموسيقية على تصدر الحضور ليروي تفاصيل إنسانية وفنية لم تُنشر من قبل حول علاقته بالراحل الكبير الذي كان يمثل قيمة وقامة.
تحدث كامل بكلمات مؤثرة عكست عمق الروابط التي جمعته بهاني شاكر على مدار عقود طويلة من الزمن شهدت الكثير من النجاحات والتحديات المشتركة في محراب الفن الأصيل.
الأغنية الحزينة “وعدى العمر”
كشف مصطفى كامل خلال كلمته عن مفاجأة فنية كانت قيد التنفيذ قبل رحيل الفنان هاني شاكر بفترة وجيزة وهي أغنية سينجل جديدة تحمل عنوان “وعدى العمر”.
وأوضح النقيب أن المشروع كان قد وصل بالفعل إلى مراحله النهائية من حيث الكلمات واللحن وكان من المقرر أن يدخل الراحل الاستوديو لوضع صوته على التراك الموسيقي.
إلا أن القدر كان أسرع من طموحاتهما الفنية المشتركة حيث حالت الظروف الصحية المفاجئة والأزمة التي ألمت بالراحل دون استكمال هذا العمل الذي كان ينتظره الجمهور.
واستعرض مصطفى كامل أمام الحضور مطلع كلمات الأغنية التي تقول “وعدى العمر قدامنا.. وجريت بينا أيامنا” في إشارة واضحة لما تحمله الكلمات من شجن عميق يجسد الواقع المرير.
كواليس اللحظات الأخيرة
روى مصطفى كامل كواليس اللقاء الأخير والاتفاق الذي تم بينه وبين هاني شاكر للذهاب معاً إلى الملحن لوضع اللمسات النهائية قبل التسجيل الفعلي للأغنية المنتظرة.
وأشار إلى أن الحماس كان يتملك الفنان الراحل لتقديم هذا العمل لما يحمله من مشاعر وذكريات مشتركة تعبر عن رحلتهما الطويلة في عالم الفن والحياة بصفة عامة.
لكن الموت الذي لا يستأذن أحداً اختطف أمير الغناء العربي قبل أن يمنح صوته لهذه الكلمات الأخيرة التي كان من الممكن أن تكون مسك الختام لمسيرته الغنائية الحافلة.
وأكد كامل أن ضياع هذا المشروع يمثل خسارة فنية كبيرة للمكتبة الموسيقية العربية التي كانت تنتظر تعاوناً جديداً يجمع بين إحساس هاني شاكر وكلمات مصطفى كامل الصادقة.
رحلة صداقة عبر الزمن
استعاد مصطفى كامل تفاصيل بدايات علاقته القوية بالفنان الراحل موضحاً أن بذور هذه الصداقة تعود إلى شهر يناير من عام 1993 حينما بدآ خطواتهما المشتركة.
وأوضح أن هذه العلاقة لم تكن مجرد زمالة فنية عابرة بل تطورت لتصبح أخوة وصداقة متينة تجاوزت في امتدادها الزمني سنوات طويلة من عمره الشخصي والمهني على السواء.
وصف كامل الراحل بأنه كان السند والقدوة في الكثير من المواقف الصعبة مشيراً إلى أن قوة الرابطة بينهما كانت تستند إلى الاحترام المتبادل والصدق في المشاعر والتوجه الفني.
إن هذه السنوات الطويلة جعلت من رحيل هاني شاكر صدمة شخصية كبرى لمصطفى كامل الذي فقد برحيله جزءاً لا يتجزأ من تاريخه وذكرياته التي لا يمكن تعويضها أبداً.
التأثر بمدرسة العندليب
تطرق نقيب الموسيقيين خلال الأمسية إلى الجوانب الفنية البحتة في مسيرة هاني شاكر وبداياته الأولى التي شهدت تأثراً كبيراً ومباشراً بمدرسة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ.
وأشار إلى أن هاني شاكر في بداية مشواره حاول تقمص شخصية العندليب الأسمر نتيجة إعجابه الشديد بأسلوبه الغنائي المتفرد ومدرسته التي شكلت وجدان أجيال متعاقبة من المطربين.
هذا التأثر لم يكن مجرد تقليد بل كان استلهاماً لروح الشجن والإحساس العالي التي تميز بها عبد الحليم وهو ما ساعد هاني شاكر فيما بعد على تكوين شخصيته الفنية المستقلة.
وبمرور الوقت استطاع الراحل أن يخرج من عباءة التقليد ليصبح “أمير الغناء العربي” بصمة خاصة لا تشبه أحداً وصوتاً يمتلك القدرة على الوصول للقلوب دون استئذان.
تكريم الرموز الوطنية
من جانبها أكدت إدارة أكاديمية الفنون أن تنظيم هذه الأمسية التأبينية يأتي ضمن استراتيجية واضحة لتكريم الرموز الفنية الكبيرة التي ساهمت بفعالية في تشكيل الوجدان العربي المعاصر.
وأوضحت الإدارة أن هاني شاكر لم يكن مجرد مطرب بل كان سفيراً للفن المصري الراقي وبذل جهوداً كبيرة من خلال منصبه السابق كنقيب للموسيقيين للحفاظ على هوية الموسيقى.
إن إبراز دور هذه القامات في المشهد الثقافي هو واجب وطني لتعريف الأجيال الجديدة بما قدمه هؤلاء العمالقة من تضحيات وإبداع ساهم في ريادة مصر الفنية إقليمياً ودولياً.
وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من القيادات الرسمية والفنانين الذين حرصوا على تقديم واجب العزاء والمشاركة في تكريم ذكرى فنان عاش ومات وهو مخلص لرسالته الفنية السامية.
رسالة وفاء وتكريم
اختتمت الأمسية بكلمات مؤثرة من الحضور الذين استذكروا مواقفهم الشخصية مع الفنان الراحل مؤكدين أن غيابه الجسدي لا يعني أبداً غيابه عن الساحة الغنائية بفضل أعماله الخالدة.
لقد ترك هاني شاكر بصمة لن تمحى في عالم الطرب الأصيل وسيظل صوته يتردد في كل الأرجاء ليذكرنا بزمن الفن الجميل الذي كان هو أحد أبرز فرسانه المخلصين والمبدعين.
إن تنظيم مثل هذه الفعاليات بالتعاون بين النقابة والأكاديمية يرسخ قيم الوفاء ويعطي الأمل في أن المبدعين الحقيقيين يظلون أحياء في ذاكرة الوطن مهما طال الزمان وتوالت السنين.
ستبقى أغنية “وعدى العمر” شاهداً صامتاً على قصة إبداع لم تكتمل ولكنها حُفرت في القلوب بمجرد سماع كلماتها من رفيق دربه مصطفى كامل الذي صان العهد حتى النهاية.







