في الوقت الذي تخوض فيه الدولة المصرية معركة شرسة لحماية ثرواتها الطبيعية والأثرية، ما زالت عصابات التنقيب غير المشروع عن الذهب والآثار تواصل العبث بأمن الوطن، وتحويل جبال الصعيد ومناطقه الصحراوية إلى ساحات دامية تحكمها لغة السلاح والطمع والثراء الحرام.
ولم يعد ما يحدث مجرد “حفر خلسة” أو مخالفات فردية، بل أصبح نشاطًا إجراميًا منظمًا تقوده تشكيلات جنائية شديدة الخطورة تمتلك أسلحة نارية ومعدات ثقيلة وسيارات دفع رباعي، وتفرض نفوذها بالقوة داخل المناطق الجبلية الوعرة، في تحدٍّ صارخ للقانون وهيبة الدولة.
وجاءت واقعة مصرع عنصرين جنائيين شديدي الخطورة خلال مداهمة أمنية بالمناطق الجبلية في أسوان، لتكشف الوجه الحقيقي لهذه العصابات التي حولت البحث عن الذهب إلى تجارة موت، لا تعرف سوى الدم والعنف والمواجهات المسلحة مع قوات الأمن.
التحريات الأمنية أكدت أن العناصر الإجرامية المتورطة في التنقيب غير المشروع لم تكن مجرد باحثين عن لقمة العيش كما يحاول البعض الترويج، بل متهمون في قضايا جنائية خطيرة، بينهم مطلوبون في جرائم سلاح ومخدرات وبلطجة وفرض سيطرة، واتخذوا من الجبال أوكارًا لإدارة نشاطهم الإجرامي بعيدًا عن أعين المواطنين.
الأخطر أن تلك العصابات تستغل حاجة بعض الشباب والفقراء، وتدفعهم للعمل داخل أنفاق بدائية ومغارات مميتة، تحت الأرض ولساعات طويلة، مقابل مبالغ زهيدة، بينما يحصد كبار التجار والسماسرة الملايين من تجارة الذهب الخام والقطع الأثرية المهربة.
كم من شاب خرج إلى الجبل بحثًا عن “حلم الثراء” فعاد جثة هامدة؟
كم من حفرة تحولت إلى قبر جماعي بسبب الانهيارات الصخرية والاختناق داخل الأنفاق؟
وكم من أسرة دفعت ثمن هذا الجنون بعد سقوط أبنائها في عالم الجريمة والسلاح؟
الكارثة الحقيقية أن بعض مناطق الصعيد أصبحت مسرحًا مفتوحًا لعصابات منظمة تتبادل إطلاق النار وتتصارع على مناطق التنقيب، في مشاهد أقرب إلى أفلام المافيا، بينما يتم تهريب الذهب والآثار عبر شبكات سوداء تستنزف ثروات مصر التاريخية والحضارية.
ولم تتوقف الجريمة عند الجبال والصحارى، بل امتدت إلى القرى والمنازل، بعدما انتشرت عمليات الحفر السري أسفل البيوت بزعم وجود آثار فرعونية، ما تسبب في انهيارات مرعبة وتهديد مباشر لأرواح الأبرياء، فضلًا عن انتشار الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون جهل البعض ويبيعون لهم أوهام “الزئبق الأحمر” و“الكنوز الملعونة”.
ورغم الضربات الأمنية المتلاحقة، ما زالت هذه التجارة القذرة تجد من يمولها ويحميها ويستفيد من أرباحها الضخمة، وهو ما يستوجب استمرار الحملات الأمنية بكل حسم، مع تشديد العقوبات ضد كل من يشارك أو يمول أو يتستر على جرائم التنقيب غير المشروع.
فهذه العصابات لا تسرق ذهبًا فقط… بل تسرق تاريخ وطن، وتدمر مقدرات دولة، وتدفع شبابًا إلى الهلاك داخل الجبال والمغارات المظلمة.
إن ما يحدث في بعض مناطق الصعيد لم يعد مجرد مخالفة قانونية، بل حرب حقيقية ضد عصابات الموت والطمع، حرب تدافع فيها الدولة عن آثارها وثرواتها وأمنها القومي، ولن يكون فيها مكان لمن يبيع الوطن مقابل حفنة ذهب ملوثة بالدماء.


