
لم يعد الحديث عن أجور المطربين والمطربات مجرد أرقام يتداولها الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح ملفًا اقتصاديًا يستحق المراجعة والرقابة، خاصة مع انتشار أرقام ضخمة عن حصول بعض المطربين الشعبيين على مئات الآلاف من الجنيهات في الحفل الواحد.
وفي مقدمة هذه الأسماء، تتردد أرقام عن حصول المطربة رحمة محسن على نحو 200 ألف جنيه مقابل فقرة غنائية داخل بعض أماكن السهر لا تتجاوز 40 دقيقة، بينما يصل أجرها في بعض حفلات الزفاف إلى 250 ألف جنيه أو أكثر، فضلًا عن الأوردرات والحفلات الخاصة التي تتكرر بصورة شبه يومية.
وإذا افترضنا – وفقًا للأرقام المتداولة – أن الفنانة تحيي 4 أو 5 حفلات في اليوم الواحد، فإن دخلها قد يقترب من مليون جنيه يوميًا، أي ما يقارب 30 مليون جنيه شهريًا، وهو رقم ضخم يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله:
هل تحصل الدولة على نصيبها القانوني من هذه الأموال؟
فالقانون المصري لا يجرم الثراء، ولا يعاقب الفنان الناجح، لكنه يفرض على الجميع، دون استثناء، الالتزام بسداد الضرائب والإفصاح عن الإيرادات الحقيقية.
وينص قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 على خضوع أصحاب الأنشطة الفنية والمهن الحرة للضرائب، كما نص قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020 على عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة في حالات التهرب الضريبي أو تقديم بيانات غير صحيحة بشأن حجم الإيرادات.
وهنا يبرز عدد من الأسئلة المشروعة:
هل كل حفل يتم بعقد رسمي؟
هل يتم إصدار فواتير عن جميع الأوردرات؟
هل تخضع الحفلات الخاصة والملاهي الليلية لرقابة مالية دقيقة؟
وهل يتم حصر الأجور الحقيقية التي يحصل عليها الفنانون؟
إن ملايين الجنيهات التي تتحرك يوميًا داخل سوق الحفلات ليست أموالًا صغيرة يمكن التغاضي عنها، بل هي جزء من الاقتصاد الوطني الذي يجب أن يخضع للشفافية والرقابة.
الفيديو المتداول.. أين يقف القانون؟
أما عن الفيديو الشخصي المنسوب للمطربة والمتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن القانون المصري واضح وصريح.
فالحياة الخاصة للمواطنين مصونة، ولا يجوز نشر أو تداول أي محتوى شخصي دون موافقة أصحابه، وإذا ثبت أن الفيديو تم تسريبه أو نشره دون إذن، فإن المسؤولية الجنائية تقع على من قام بالنشر أو الترويج، وليس بالضرورة على صاحب المحتوى نفسه.
لكن رغم ذلك، يطرح الرأي العام تساؤلات أخرى:
هل يؤثر هذا الأمر على استمرار الفنانة في نشاطها؟
هل تفتح الجهات المختصة تحقيقًا إذا رأت وجود مخالفة للقيم أو للآداب العامة؟
وهل تتدخل النقابات المهنية في مثل هذه الوقائع؟
أين نقابة المهن الموسيقية؟
يتساءل كثيرون:
إذا كانت هناك حالة جدل واسعة حول بعض الفنانين، فلماذا لا تصدر نقابة المهن الموسيقية بيانات توضيحية للرأي العام؟
وهل تقتصر مسؤولية النقابة على إصدار التصاريح فقط؟
أم أن عليها دورًا في متابعة الأداء المهني والحفاظ على صورة الفن المصري؟
فالجمهور يرى أن النقابة يجب أن تكون حاضرة في المشهد، خاصة عندما تتحول بعض الوقائع إلى قضية رأي عام، سواء بالتوضيح أو بإعلان موقف رسمي.
الملابس والاستعراضات.. أين حدود الحرية؟
كما يثار جدل واسع حول بعض الملابس التي تظهر بها بعض المطربات، وطريقة الأداء والحركات الاستعراضية على المسرح.
وهنا يجب التأكيد أن الحكم على وجود مخالفة من عدمه هو اختصاص الجهات المعنية فقط، مثل المصنفات الفنية والجهات الرقابية المختصة، التي تراجع الأعمال الفنية والتصاريح وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة.
لكن يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط:
إذا كانت هناك ضوابط ومعايير، فهل تطبق على الجميع؟
أم أن الشهرة والنجومية أصبحتا تمنحان استثناءات غير معلنة؟
الرسالة الأخيرة
هذا التحقيق ليس ضد فنانة بعينها، ولا ضد نجاح أي شخص.
لكنه رسالة واضحة:
إذا كانت هناك فنانة تحقق مليون جنيه في اليوم، فلابد أن يعرف المجتمع:
هل يتم تسجيل هذه الإيرادات بالكامل؟
هل تدفع الضرائب المستحقة؟
هل تخضع كل الحفلات للرقابة؟
وهل تحصل الدولة على حقها كاملًا؟
لأن دولة القانون لا تفرق بين موظف تُخصم الضرائب من راتبه قبل أن يحصل عليه، وبين نجم أو فنان يحقق ملايين الجنيهات من نشاطه.
فالعدالة لا تعني محاربة النجاح…
بل تعني أن يخضع الجميع للقانون نفسه، وأن يكون كل جنيه يدخل جيب أي مواطن معلوم المصدر، معلوم المصير، ومعلوم نصيب الدولة منه.



