عاجلمقالات

ريهام الشبراوي تكتب: الزواج بالمظاهر حين تهزم القيم أمام العادات والتقاليد

لم يعد الزواج في كثير من المجتمعات قائمًا على حسن الخلق، والتوافق الفكري، والاحترام المتبادل، كما كان يُنظر إليه قديمًا، بل أصبح في أحيان كثيرة سباقًا نحو المظاهر، تتصدره المقارنات الاجتماعية، وتتحكم فيه العادات والتقاليد أكثر مما تتحكم فيه القيم الإنسانية والدينية.

فكم من شاب صالح، معروف بأخلاقه واجتهاده، رُفض لأنه لا يمتلك سيارة فاخرة أو منزلًا فاخرًا أو حسابًا مصرفيًا كبيرًا أو كلية من كليات القمة وكم من فتاة على قدر كبير من الأخلاق والعلم والتربية، لم تجد فرصة للزواج لأنها لا تنتمي إلى أسرة ثرية أو لأنها لا تواكب معايير الجمال والمظاهر التي فرضها المجتمع.

لقد تحولت بعض حفلات الزواج إلى ساحة للتفاخر، وأصبحت قيمة الإنسان تُقاس بما ينفقه لا بما يحمله من أخلاق ومبادئ. وارتفعت تكاليف الزواج بشكل مبالغ فيه، حتى أصبح كثير من الشباب يعزفون عن الزواج أو يؤخرونه سنوات طويلة بسبب مطالب لا تمت بصلة إلى جوهر الحياة الزوجية.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تُرسخ فكرة خاطئة مفادها أن المال والمظهر هما الضمان الحقيقي للسعادة الزوجية، بينما الواقع يثبت أن كثيرًا من الزيجات التي بُنيت على الثراء والمكانة الاجتماعية انتهت بالخلافات والانفصال، في حين نجحت زيجات بدأت بإمكانات بسيطة، لكنها قامت على الاحترام، والمودة، والرحمة، وتحمل المسؤولية.

ولا شك أن للعادات والتقاليد دورًا مهمًا في الحفاظ على هوية المجتمع، لكن عندما تتحول إلى قيود تعطل الزواج، وتُرهق الأسر، وتُميز بين الناس على أساس المظاهر، فإنها تحتاج إلى مراجعة وتصحيح. فالعادات تُحترم ما دامت لا تتعارض مع العقل، ولا تُرهق الناس، ولا تُهدر القيم التي دعا إليها الدين.

لقد أكد ديننا الإسلامي أن معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى وحسن الخلق، فقال النبي ﷺ: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.” وهذا التوجيه النبوي يضع الأساس الصحيح لاختيار شريك الحياة، بعيدًا عن المبالغة في الاهتمام بالمظاهر الزائلة.

إن المجتمع اليوم بحاجة إلى تغيير ثقافة الزواج، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان قبل قيمة المال، وللخلق قبل المظهر، وللاستقرار الأسري قبل المباهاة الاجتماعية. فالسعادة لا تُشترى بالأموال، ولا تُقاس بحجم حفلات الزفاف، وإنما تُبنى بالمحبة والاحترام والتفاهم.

وفي الختام، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل أب وأم، وكل شاب وفتاة: هل نبحث عن شريك حياة نبني معه مستقبلًا قائمًا على القيم والإنسانية، أم نبحث عن مظهر يرضي المجتمع لساعات، ثم نتحمل نتائجه سنوات طويلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى