
ورد إلى دار الإفتاء المصرية سؤال يقول: “ما حكم بيع المبرمج البيانات الشخصية؟ فأنا أعمل مبرمجًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وأمتلك بحكم عملي قاعدة معلومات ضخمة، تحتوي على بيانات بيومترية (بصمات وجه وصوت) وشخصية للمستخدمين الذين وافقوا مسبقًا على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام لأغراض التطوير التقني، وقد عُرض عليَّ بيع هذه القاعدة لشركة أجنبية كبرى بعوض مادي، ولا أعرف ما نشاطها وكيف ستستفيد من هذه المعلومات. أرجو الإفادة بالحكم الشرعي في بيع قاعدة البيانات هذه”.
حفظ الشريعة الإسلامية للنفس والعرض
وقالت دار الإفتاء إنه من المقرر شرعًا أن الحفاظ على النفس والأمن الفردي والمجتمعي أحد أهم مقاصد الشريعة الغراء، وركنٌ ركين من كلياتها الخمس العليا؛ لذا أقام الشرع الحنيف أحكامه على قاعدة عظيمة، هي: “لا ضرر ولا ضرار”، أحاط بها الدماءَ والأبدان بسياجٍ من الحرمة والقدسية، وسنَّ من الأحكام والحدود ما يكفل صيانة الآدميين ويحفظ سلامة أجسادهم، ويمنع ضرهم أو الإضرار بهم.
حكم بيع المبرمج البيانات الشخصيةحكم بيع المبرمج البيانات الشخصية
ولم يكتف الشرع الشريف بتحريم الاعتداء المباشر، بل امتدت حكمته إلى سد كل ذريعة قد تؤدي إلى الإخلال بهذا الأمن، حالًا أو مآلًا؛ فالإسلام لا يُحرِّم شيئًا إلا حرَّم سُبل الوصول إليه، فقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ “للمقاصد أحكام الوسائل”، وأنَّ “حريم الحرامِ حرامٌ”، و”كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام”، و”ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.
قال الإمام الشاطبي في “الموافقات” (2/ 353، ط. دار ابن عفان): [وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل] اهـ.
وقال الإمام الزركشي في “المنثور في القواعد الفقهية” (2/ 46، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): [(الحريم يدخل في الواجب والحرام والمكروه) فكل (محرم) له حريم يحيط به كالفخذين (فإنهما) حريم للعورة الكبرى، والحريم هو المحيط بالحرام، وكل واجب دخل في بعض من كل كغسل الوجه لا يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] اهـ.
وقال الإمام السيوطي في “الأشباه والنظائر” (ص: 125، ط. دار الكتب العلمية): [(القاعدة الثامنة: الحريم له حكم ما هو حريم له) الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» الحديث، أخرجه الشيخان. قال الزركشي: الحريم يدخل في الواجب والحرام والمكروه، وكل محرم له حريم يحيط به، والحريم: هو المحيط بالحرام، كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى. وحريم الواجب: ما لا يتم الواجب إلا به] اهـ.
وبهذا تقرر الشريعة أن كل إجراء أو تصرف من شأنه أن يُعرِّض النفس أو العرض أو المال للخطر -داخل في دائرة المنع الشرعي، ولذا خوَّل الشرع الشريف لولي الأمر اتخاذ التدابير واللوائح التي تُحقق حفظ هذه الكليات؛ إذ الأمرُ بتحقيق المقاصد أمرٌ بتحصيل وسائلها.
حكم بيع المبرمج البيانات الشخصية
وأكدت الإفتاء أن التطور التكنولوجي المتسارع وكثرة التقنيات الرقمية الحديثة والتي منها الذكاء الاصطناعي أسهموا في إتاحة وسائل أكثر دقة وحداثة في جمع ومعالجة وتحليل البيانات والمعلومات الشخصية، بما يسمح باستخلاص أنماط سلوكية ونفسية دقيقة للأفراد، فالبيانات الشخصية هي: البيانات المتعلقة بالشخص الطبيعي، والتي يمكن تحديده بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الربط بين هذه البيانات وأي بيانات أخرى كالاسم، أو الصوت، أو الصورة، أو رقم تعريفي، أو محدد للهوية عبر الإنترنت، أو أي بيانات تحدد الهوية النفسية، أو الصحية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، وقد تكون هذه البيانات الشخصية بيانات “حساسة” متى أفصحت عن الصحة النفسية أو العقلية أو البدنية أو الجينية، أو بيانات القياسات الحيوية “البيومترية” أو البيانات المالية أو المعتقدات الدينية أو الآراء السياسية أو الحالة الأمنية، كما أفادت المادة رقم (1) من قانون حماية البيانات الشخصية رقم (151) لسنة 2020م.
وقد جعل ذلك البيانات الشخصية موردًا بالغ الحساسية؛ نظرًا لإمكانية توظيفها في التأثير على قرارات الإنسان أو الإضرار بمصالحه المادية والمعنوية، ومن ثمَّ غدت حماية هذه البيانات ضرورة لصون كرامة الإنسان والحفاظ على خصوصيته وأمنه المالي والاجتماعي.
ومتى حاز مبرمج الذكاء الاصطناعي تلك المعلومات بطريقة شرعية فإن ذلك لا يمنحه الحق في التعامل بها وفق ما يريد؛ إذ يُعد ذلك تعدّيًا على حق الفرد في بياناته الحيوية الخاصة بصورته وصوته، وكلاهما من حقوقه الخالصة التي لا يجوز اقتحامها إلا بإذنٍ معتبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُل المسلِم على المسلِم حرام: دمه، وماله، وعرضه» رواه الإمام مسلم.
قال القاضي أبو الفضل عياض في “إكمال المُعْلِمِ بفوائد مسلم” (7/ 530، ط. دار الوفاء): [فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول] اهـ.
ويعد تصرف المطور في هذه الحالة تجاوزًا لحدود الإذن الممنوح له، لتحقيق النفع الشخصي بالتصرف فيها لشركات أجنبية أو غيرها؛ فالمستخدم حين وافق على سياسة الخصوصية، فعل ذلك بناءً على ائتمان منه للمبرمجين، ولغرض التطوير التقني لا غير، ومن ثَمَّ تكون يدهم على هذه البيانات يد أمانة.
والمكلف مأمور بأداء الأمانات وحفظها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].
وبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَدِّ الأمانة إِلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك» رواه الإمام أحمد.
والتصرف في البيانات على غير الوجه المأذون فيه هو خيانة للأمانة، وهو أمر محرم شرعًا؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إِلا قال: لا إِيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» رواه الإمام أحمد.
وعملية التصرف في البيانات الشخصية والبيومترية -كبصمة الصوت أو الوجه أو غير ذلك- في جوهرها اعتداء مركب؛ فهي تبدأ بخيانة الأمانة، والتصرف في البيانات المملوكة لأصحابها تصرفًا غير مشروع بتجاوز حدود الإذن، حتى تنتهي إلى احتمالية إساءة استخدام هذه البيانات عبر التقنيات الحديثة، وتعريض الآخرين للخطر بكشف خصوصيتهم.
ويتضاعف جُرم هذا التصرف بما يفضي إليه من مآلاتٍ خطيرة؛ إذ يُعرِّض البيانات للتزوير والانتحال، والسطو على أموال الغير وحساباته، أو استغلال حقوقه التجارية دون مقابل، وهو تعدٍّ صريحٌ على حقوقه المالية، والتي يمتلك أصحابها فقط حق التصرف فيها، وهو من أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
قال الإمام القرطبي في “تفسيره” (2/ 338، ط. دار الكتب المصرية): [الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمارُ والخداعُ والغُصُوبُ وجحدُ الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حَرَّمَته الشريعةُ وإن طابت به نفسُ مالكه، كمَهر البَغِيِّ وحُلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك] اهـ.
وعن عمرو بن يثربي رضي الله تعالى عنه، قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا ولا يحل لامرئ مسلم من مال أخيه شيء إلا بطيبة نفس منه» رواه الإمام الدارقطني.
وعن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، قال: «كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق، أذود عنه الناس، فقال: يا أيها الناس، هل تدرون في أي يوم أنتم؟ وفي أي شهر أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. قَالَ: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه، ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه» رواه الإمام أحمد.
وأكل أموال الناس بالباطل صورة من صور الغصب المحرم شرعًا؛ إذ الغصب هو الاستيلاء على حق الغير بغير حق، سواء كان ذلك مالًا أم حقًّا ماليًّا، مما يمتلك أصحابه فقط حق التصرف فيه.
قال الإمام السرخسي في “المبسوط” (11/ 49، ط. دار المعرفة): [(اعلم) بأن الاغتصاب أخذ مال الغير بما هو عدوان من الأسباب، واللفظ مستعمل لغة في كل باب مالًا كان المأخوذ أو غير مال. يقال: غصبت زوجة فلان وولده، ولكن في الشرع تمام حكم الغصب يختص بكون المأخوذ مالًا متقومًا. ثم هو فعل محرم؛ لأنه عدوان وظلم] اهـ.
وقال الإمام القرافي في “الذخيرة” (8/ 255، ط. دار الغرب الإسلامي): [الغصب لغة قال الجوهري: أخذ الشيء ظلمًا. تقول: غصبه منه وعليه سواء، والاغتصاب مثله، وفي اصطلاح العلماء: أخذه على وجه مخصوص. قال صاحب “المقدمات”: التعدي على رقاب الأموال سبعة أقسام لكل منها حكم يخصه وهي كلها مجمع على تحريمها وهي: الحرابة والغصب والاختلاس والسرقة والخيانة والإدلال والجحد، فجعل الظلم في الأخذ أنواعًا متباينة] اهـ.
وقد وضح معنى الغصب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في “أسنى المطالب” (2/ 336، ط. دار الكتاب الإسلامي) بأنه: [(الاستيلاء على حق الغير عدوانًا)] اهـ.
وبيَّن معناه الإمام الرحيبانى في “مطالب أولي النهى” (4/ 3، ط. المكتب الإسلامي) بأنه: [(استيلاء غير حربي) بفعل يعد الاستيلاء (عرفًا على حق غيره) من مال أو اختصاص (قهرًا بغير حق)] اهـ.
موقف القانون المصري من تداول البيانات الشخصية دون إذن صاحبها
قد اتجه المشرع المصري في قانون حماية البيانات الشخصية لمنع التصرف في هذه البيانات دون إذن صاحبها، فنص في المادة رقم (2) منه على أنه: [لا يجوز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشاؤها بأي وسيلة من الوسائل إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانونًا] اهـ.
ونص في قانون العقوبات رقم (58) لسنة 1937م المعدل بقانون (141) لسنة 2021م، في المادة (309) مكررًا، فقرة رقم (1) على أنه: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية فى غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضا المجني عليه:
(أ) استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.
(ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص] اهـ.
كما نص في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة 2018م في المادة (25) على أنه: [يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين -كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة] اهـ.
حكم بيع المبرمج البيانات الشخصية
وأوضحت الإفتاء أنه بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال، فإنه يحرم على المبرمج بيع قاعدة المعلومات للبيانات الشخصية والبيومترية لشركة أجنبية أو غيرها مقابل نظير مادي دون إذن من أصحابها، والموافقة المسبقة من المستخدمين على سياسة الخصوصية لم تكن تمليكًا للبيانات، وإنما هي ائتمان وإذنٌ مقيد بغرض التطوير التقني، ويحرم على المبرمج الخروج عن هذا الغرض والمتاجرة بالبيانات لتحقيق ربح شخصي خائنًا لمبدأ الأمانة الرقمية، ومخالفًا لشرط الإذن، متعديًا على حقوق المستخدم في شخصه، وعرضه وماله.



