
تأتي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة كل عام لتذكرنا بدروس عظيمة في الصبر والثبات والإيمان وحب الأوطان. فالهجرة لم تكن هروبًا من الواقع، بل كانت انتقالًا لبناء دولة تحفظ الدين والإنسان والكرامة، بعد سنوات طويلة من الأذى والمعاناة التي تعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة.
لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم أصعب مراحل حياته فيما عُرف بـ”عام الحزن”، حين فقد زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، التي كانت سندًا له ومؤمنة برسالته منذ اللحظة الأولى، وفقد كذلك عمه أبا طالب الذي كان يحميه من بطش قريش رغم أنه لم يدخل الإسلام. وبرحيلهما اشتد الأذى على الرسول الكريم، وضاقت به السبل في مكة.
ولم يكن طريق الدعوة مفروشًا بالورود؛ فقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسخرية والتكذيب والإيذاء الجسدي والنفسي، حتى إنه خرج إلى الطائف بحثًا عن قلوب تستمع إلى دعوته، فواجه رفضًا قاسيًا وأذى شديدًا، وعاد منها مثخنًا بالجراح. ومع ذلك ظل ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا برسالته، حريصًا على هداية الناس.
وعندما أذن الله له بالهجرة إلى المدينة المنورة، وقف النبي صلى الله عليه وسلم مودعًا مكة بكلمات خالدة تجسد أسمى معاني الانتماء للوطن، فقال: “والله إنكِ لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”. كلمات تؤكد أن حب الوطن جزء أصيل من الفطرة الإنسانية، وأن مغادرة الأوطان لا تكون إلا اضطرارًا.
إن المتأمل في هذه الكلمات يدرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم ما لاقاه من أهل مكة من أذى وتعنت، لم يحمل كراهية لوطنه، ولم يدعُ إلى هدمه أو الإساءة إليه، بل ظل متعلقًا به ومحافظًا على مكانته في قلبه.
ومن هنا فإن ذكرى الهجرة تحمل رسالة مهمة لأبناء الأوطان كافة: أن البناء خير من الهدم، وأن الإصلاح خير من نشر الإحباط، وأن الحفاظ على استقرار الأوطان مسؤولية مشتركة بين الجميع. فالأوطان لا تُبنى بالشائعات، ولا بالتحريض، ولا بإثارة الفتن، وإنما بالعمل والإخلاص وتحمل المسؤولية.
وفي ظل ما تشهده المنطقة العربية من صراعات وأزمات وحروب، يدرك المصريون قيمة الأمن والاستقرار الذي تنعم به بلادهم، ويزداد إيمانهم بأهمية التكاتف الوطني للحفاظ على الدولة ومؤسساتها ومقدراتها.
إن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل مدرسة متكاملة في الصبر والحكمة والتخطيط والانتماء. ومن أعظم دروسها أن حب الوطن لا يتعارض مع الإيمان، بل يعززه، وأن الإنسان الصادق هو الذي يسعى إلى رفعة وطنه واستقراره مهما اختلفت الظروف.
وفي ذكرى الهجرة النبوية المباركة، تبقى كلمات النبي صلى الله عليه وسلم نبراسًا للأجيال: “والله إنكِ لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، لتؤكد أن الأوطان تسكن القلوب، وأن الدفاع عنها والمحافظة عليها واجب وطني وأخلاقي لا يسقط بمرور الزمن.







