
تحولت واقعة الحصول على تمويلات تعليمية بأسماء عدد من أولياء أمور طلاب مدرسة “جلوبال براديم” التابعة لإدارة القاهرة الجديدة التعليمية إلى ملف واسع أمام جهات التحقيق والرقابة، بعدما تبين تسجيل التزامات تمويلية على أولياء أمور لم يتقدموا للحصول عليها أو يعلموا بها، ما دفع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني إلى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، حفاظًا على انتظام العملية التعليمية وحقوق الطلاب وأولياء الأمور.
وتزامن القرار مع تحرك الهيئة العامة للرقابة المالية لفحص شركة التمويل الاستهلاكي المرتبطة بالواقعة، بعدما كشفت أعمال التفتيش أن المدرسة تقدمت بطلبات تمويل بأسماء عدد من أولياء الأمور، وحصلت الشركة على التمويلات لصالح المدرسة، في الوقت الذي لم يكن أصحاب الأسماء على علم بإجراءات الحصول عليها.
وبلغ إجمالي التمويلات المرتبطة بالواقعة نحو 319 مليون جنيه، موزعة على 619 عميلًا من خلال 839 عقدًا تمويليًا، مع وجود أكثر من عقد لبعض العملاء، وهو ما يفسر زيادة عدد العقود عن عدد الأشخاص المرتبطين بها.
البداية.. أولياء أمور يفاجأون بتمويلات على أسمائهم
بدأت الأزمة عندما اكتشف عدد من أولياء الأمور وجود التزامات وتمويلات مسجلة بأسمائهم في سجلاتهم الائتمانية، رغم عدم تقدمهم للحصول عليها، ومن بين الحالات التي جرى تداولها تمويل اقتربت قيمته من 700 ألف جنيه باسم أحد العملاء، رغم تأكيده عدم التقدم للحصول عليه.
ومع ظهور هذه الحالات، برزت تساؤلات حول الطريقة التي استخدمت بها بيانات أولياء الأمور، والجهة التي تقدمت بطلبات التمويل، وكيف تم تسجيل عقود والتزامات مالية بأسماء العملاء من دون علمهم.
كيف حصلت المدرسة على التمويلات؟
وفق ما كشفته الهيئة العامة للرقابة المالية في نتائج فحصها، كانت المدرسة تتقدم إلى شركة التمويل الاستهلاكي بطلبات تمويل بأسماء عدد من أولياء الأمور، وتحصل الشركة على التمويلات لصالح المدرسة، على أن تقوم المدرسة بتسليمها إلى أولياء الأمور.
إلا أن أصحاب الأسماء الواردة في طلبات التمويل لم يكونوا على علم بإجراءات الحصول على التمويلات، ما أدى إلى ظهور مديونيات بأسمائهم وانعكاسها على سجلاتهم ودرجات التقييم الائتماني «Credit Score».
نقطة جوهرية في الفحص.. «العناية الواجبة»
وكشفت أعمال الفحص عن نقطة رئيسية في طريقة تنفيذ التمويلات، إذ تضمن العقد المبرم بين المدرسة وشركة التمويل الاستهلاكي قيام المدرسة بعملية «العناية الواجبة» والتعرف على العميل.
ورأت الهيئة العامة للرقابة المالية أن هذا الإجراء يخالف القواعد والقرارات المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي، إذ يجب على شركة التمويل نفسها التحقق من هوية العميل والتأكد من أن الشخص الذي يحمل اسمه عقد التمويل هو صاحب الطلب والموافق عليه.
وأظهرت الواقعة أن وجود البيانات والمستندات والعقود لم يكن كافيًا وحده لضمان سلامة العملية، في ظل عدم إتمام التحقق من أصحاب البيانات بالشكل المطلوب.
الرقابة المالية بدأت التفتيش قبل انتشار الأزمة
وقبل انتشار الواقعة على نطاق واسع، كانت الهيئة العامة للرقابة المالية قد بدأت إجراءات الفحص والتفتيش على شركة التمويل الاستهلاكي المرتبطة بها.
وتابعت وحدة الرصد التابعة للهيئة الملف، ثم انتقلت لجنة تفتيش موسعة إلى مقر الشركة، وبدأت أعمالها يوم الأربعاء من الساعة التاسعة صباحًا واستمرت حتى الساعة الحادية عشرة مساءً، واستكملت أعمال الفحص يوم الخميس من الساعة التاسعة صباحًا حتى الساعة العاشرة مساءً.
وشملت أعمال الفحص مراجعة عقود التمويل والبيانات والمستندات المستخدمة، وآليات التعرف على العملاء، والإجراءات التي اتبعتها شركة التمويل عند منح التمويلات.
حذف المديونيات من «I-Score»
ومع ثبوت عدم علم أولياء الأمور بالتمويلات، تحركت الهيئة لمعالجة الآثار التي ترتبت عليهم، وتم حذف المديونيات المرتبطة بهذه التمويلات من الملفات الائتمانية لأولياء الأمور، وإزالة آثارها من درجات التقييم الائتماني «Credit Score»، مع استمرار متابعة الملف للتأكد من إزالة جميع التداعيات الناتجة عن التمويلات محل الواقعة.
كما أعلنت المدرسة، في وقت سابق، إجراء مراجعة داخلية للإجراءات التي تمت مع شركة التمويل، وقالت إن المراجعة خلصت إلى عدم توافق الإجراءات مع ما تم الاتفاق عليه، قبل إعلانها فسخ التعاقد مع شركة التمويل الاستهلاكي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأكدت المدرسة تصحيح الوضع وإلغاء الأعباء التي ظهرت على ملفات أولياء الأمور لدى «I-Score»، مع التأكيد على عدم وجود التزامات مالية حالية عليهم مرتبطة بهذه التعاقدات.
لماذا تدخلت وزارة التربية والتعليم؟
ومع وصول الواقعة إلى مرحلة التحقيقات واتضاح وجود مخالفات تتعلق باستخدام البيانات الشخصية لعدد من أولياء الأمور للحصول على قروض تعليمية لصالح شركة تمويل استهلاكي، أصدر محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، توجيهاته بوضع مدرسة «جلوبال براديم» تحت الإشراف المالي والإداري.
وجاء القرار حرصًا على استقرار العملية التعليمية والحفاظ على مصالح الطلاب وأولياء الأمور، وفي ضوء التحقيقات التي تجريها النيابة العامة والجهات المختصة بشأن الواقعة.
وأكدت الوزارة أن وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري يستهدف ضمان انتظام العملية التعليمية، والحفاظ على حقوق الطلاب وأولياء الأمور، في ضوء ما تبين من وجود مخالفات استوجبت اتخاذ إجراءات فورية للتعامل مع الوضع.
وبالتالي، فإن الإجراء الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم يتعلق بالمدرسة نفسها ووضعها تحت الإشراف المالي والإداري على خلفية الوقائع محل التحقيق، فيما يظل موقف شركة التمويل الاستهلاكي خاضعًا لإجراءات الفحص والتحقيق والقرارات الرقابية والقانونية التي ستصدر في ضوء نتائجها.
الأزمة تدفع إلى تغيير قواعد التحقق من العملاء
ولم تتوقف تداعيات الواقعة عند معالجة ملفات أولياء الأمور أو وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، إذ دفعت الهيئة العامة للرقابة المالية إلى تشديد ضوابط التحقق من هوية العملاء في نشاط التمويل الاستهلاكي.
وتتضمن الإجراءات الجديدة ضرورة التأكد من شخصية العميل وملكيته لرقم الهاتف وبطاقة الرقم القومي، سواء تم الحصول على التمويل إلكترونيًا أو من خلال المستندات الورقية.
كما ألزمت الهيئة شركات التمويل التي تعتمد على الإجراءات التقليدية بإضافة وسائل تكنولوجية للتحقق من بيانات العملاء، من بينها إرسال رمز تحقق لمرة واحدة OTP، إلى جانب مطابقة بيانات الهاتف وبطاقة الرقم القومي من خلال الجهات المختصة.
ومنحت الهيئة شركات التمويل مهلة شهرين لتوفيق أوضاعها وتطبيق إجراءات التحقق الجديدة.
وتستهدف هذه الإجراءات ضمان أن الشخص الذي يحمل اسمه عقد التمويل هو نفسه الذي تقدم بطلب التمويل ووافق عليه، وتقليل مخاطر استخدام بيانات العملاء دون علمهم أو تسجيل التزامات مالية على أشخاص لم يطلبوا التمويل.
319 مليون جنيه تكشف حجم الملف
وتكشف الأرقام التي أعلنتها الهيئة العامة للرقابة المالية عن اتساع نطاق الواقعة، إذ بلغت قيمة التمويلات المرتبطة بها نحو 319 مليون جنيه، موزعة على 619 عميلًا من خلال 839 عقدًا تمويليًا.
ويعود ارتفاع عدد العقود مقارنة بعدد العملاء إلى إمكانية حصول العميل الواحد على أكثر من عقد تمويلي.
ماذا حدث لشركة التمويل؟
بعد انتهاء أعمال التفتيش، أعدت الهيئة مذكرة بنتائج الفحص تمهيدًا لعرضها على لجنة البت والتحقيق لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي طرف تثبت مسؤوليته عن المخالفات.
ولا يعني ذلك صدور عقوبة نهائية على أي طرف قبل انتهاء إجراءات الفحص والتحقيق وتحديد المسؤوليات وفقًا للوقائع والمستندات التي يتم إثباتها.
وأكدت الهيئة أنها ستتخذ الإجراءات الرادعة في مواجهة المخالفات التي تثبت، في إطار حماية حقوق العملاء والحفاظ على سلامة سوق التمويل الاستهلاكي.
من أزمة تمويلات إلى رقابة على المدرسة وتشديد لقواعد السوق
وبذلك تطورت قصة «جلوبال براديم» من اكتشاف أولياء أمور لتمويلات مسجلة بأسمائهم دون علمهم، إلى فحص رقابي لشركة التمويل الاستهلاكي، ثم تدخل من وزارة التربية والتعليم بوضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، بالتوازي مع إجراءات لمعالجة الملفات الائتمانية للمتضررين.
وتحولت الواقعة كذلك إلى نقطة مراجعة واسعة لقواعد التحقق من هوية العملاء في سوق التمويل الاستهلاكي، مع إلزام الشركات بإجراءات تحقق رقمية أكثر دقة، فيما تظل المسؤوليات النهائية والعقوبات المرتبطة بالواقعة مرهونة بنتائج التحقيقات التي تجريها الجهات المختصة.







