
المشكلة لم تعد مجرد اختلاف في الذوق، وإنما أصبحت ظاهرة تستحق التوقف والمراجعة.
عندما تظهر المطربة على المسرح بملابس شديدة الإثارة، وتقدم حركات واستعراضات يمكن أن تثير الغرائز وتلفت الأنظار بعيدًا عن الأغنية، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حفل غنائي، أم أمام عرض هدفه الأساسي جذب العيون وإشعال مواقع التواصل؟
وفي بعض العروض التي تقدمها المطربة يارا محمد، يرى منتقدون أن مساحة الاستعراض والملابس المثيرة أصبحت تطغى على مساحة الغناء، حتى أصبح بعض الجمهور يتابع بعينيه أكثر مما يستمع بأذنيه.
وهنا الكارثة الحقيقية.
الفنان يستطيع أن يقدم نفسه كما يشاء، لكن عندما يتحول الجسد والملابس والحركات إلى وسيلة أساسية لجذب الجمهور، فإننا نبتعد خطوة أخرى عن مفهوم الفن الذي عرفته مصر.
أم كلثوم لم تكن تحتاج إلى استعراض جسدي حتى تصنع جمهورًا. عبد الحليم لم يحتج إلى ملابس مثيرة حتى يهتز له المسرح. عبد الوهاب لم يصنع مجده بالحركات، وإنما بالكلمة واللحن والصوت.
الفن الحقيقي يفرض نفسه بالموهبة.
أما تحويل المسرح إلى مساحة لاستعراض الجسد وإثارة الغرائز، فهو أمر يستحق النقد المجتمعي والإعلامي، خصوصًا عندما يقدم أمام جمهور متنوع ويصبح نموذجًا يتكرر ويتحول إلى معيار للنجاح.
لسنا ضد التطور، ولسنا ضد اختلاف الأذواق، ولسنا أوصياء على أحد؛ لكن هناك فارقًا بين الجرأة الفنية وبين الابتذال، وبين الحضور المسرحي وبين تحويل الجسد إلى وسيلة تسويق.
مصر بلد أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش وشادية ونجاة ووردة.
فهل يعقل أن يصبح معيار نجاح المطرب اليوم: كم أثار من الجدل؟ وكم لفت الأنظار بملابسه وحركاته؟
أم أن المعيار الحقيقي يجب أن يبقى:
ماذا غنى؟ كيف غنى؟ وماذا ترك في وجدان الناس بعد انتهاء الحفل؟
إذا أصبح الجمهور يخرج من الحفل متذكرًا الملابس والحركات، ولا يستطيع تذكر اسم الأغنية أو كلماتها، فعلينا أن نعترف بأن الغناء نفسه بدأ يخسر المعركة أمام الاستعراض.
وهذه ليست قضية مطربة بعينها، وإنما إنذار بشأن اتجاه كامل يحتاج إلى وقفة حقيقية قبل أن يصبح الابتذال هو القاعدة، والفن الأصيل هو الاستثناء.







