
في عالم السياسة النقدية، لا تتحرك البنوك المركزية دائمًا عبر قرارات صاخبة ترفع أو تخفض أسعار الفائدة، فهناك أدوات أخرى قد تبدو أقل حضورًا في عناوين الأخبار، لكنها تحمل أهمية كبيرة في إدارة الاقتصاد، وفي مقدمتها عمليات السوق المفتوحة وإدارة مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي.
ومن هذا المنطلق، يأتي إعلان البنك المركزي المصري سحب نحو 136.860 مليار جنيه من فائض السيولة لدى 7 بنوك، من خلال عمليات السوق المفتوحة وبسعر فائدة بلغ 19.5%، باعتباره خطوة تشغيلية تستهدف ضبط مستويات السيولة وتحقيق قدر أكبر من التوازن داخل سوق النقد.
سحب السيولة لا يعني رفع الفائدة
قد يربط البعض بصورة مباشرة بين سحب السيولة وتشديد السياسة النقدية أو الاستعداد لرفع أسعار الفائدة، إلا أن هذا الربط ليس دقيقًا بالضرورة.
فالبنك المركزي يمتلك مجموعة من الأدوات التي تمكنه من إدارة السيولة بصورة يومية، دون أن يعني استخدامها تغييرًا في الاتجاه العام لأسعار الفائدة.
وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل استقرار أسعار الفائدة الأساسية عند مستوياتها الحالية، حيث يبلغ سعر عائد الإيداع لليلة واحدة 19%، والإقراض لليلة واحدة 20%، بينما يبلغ سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي 19.5%.
وبالتالي، فإن الرسالة الأهم من العملية الأخيرة تبدو مرتبطة بإدارة السيولة وضبط حركة الأموال داخل القطاع المصرفي، أكثر من كونها إشارة منفردة إلى تغيير أسعار الفائدة.
لماذا يهتم البنك المركزي بفائض السيولة؟
السيولة داخل الجهاز المصرفي ليست مجرد أموال متاحة للبنوك، وإنما أحد المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في حركة الائتمان وأسعار العائد وظروف التمويل في الاقتصاد.
وعندما ترتفع مستويات السيولة بصورة كبيرة، يصبح من المهم بالنسبة للبنك المركزي أن يتدخل لضمان عدم ابتعاد أسعار الفائدة قصيرة الأجل في السوق عن المستويات التي تستهدفها السياسة النقدية.
وهنا تظهر أهمية عمليات السوق المفتوحة، باعتبارها وسيلة تمكن البنك المركزي من امتصاص جزء من السيولة أو ضخها وفقًا لاحتياجات السوق.
ومن ثم، فإن سحب 136.860 مليار جنيه يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة ضبط ميزان السيولة، وليس بالضرورة مؤشرًا على وجود أزمة داخل القطاع المصرفي.
السياسة النقدية بين التضخم والنمو
المشهد الاقتصادي الحالي يفرض على البنك المركزي معادلة دقيقة: السيطرة على الضغوط التضخمية من جهة، وعدم الإضرار بالنشاط الاقتصادي والاستثماري من جهة أخرى.
فالفائدة المرتفعة تساعد في الحد من الضغوط السعرية ودعم جاذبية الادخار بالعملة المحلية، لكنها في الوقت نفسه ترفع تكلفة الاقتراض أمام الشركات والأفراد، وهو ما قد ينعكس على الاستثمار والاستهلاك.
لذلك، تصبح إدارة السيولة أداة أكثر مرونة في بعض الأوقات، إذ يستطيع البنك المركزي من خلالها التأثير في ظروف سوق النقد دون الحاجة في كل مرة إلى تغيير أسعار الفائدة الأساسية.
سعر العملية الرئيسية.. نقطة الارتكاز
يمثل سعر العملية الرئيسية البالغ 19.5% نقطة مهمة في الإطار التشغيلي للسياسة النقدية، خصوصًا مع سعي البنك المركزي إلى إبقاء أسعار العائد لليلة واحدة حول المستوى المستهدف.
وهذا يعكس أهمية ما يعرف بسعر الكوريدور، الذي يحدد الإطار العام لتحرك أسعار الفائدة قصيرة الأجل بين البنوك.
وبالتالي، فإن عمليات سحب السيولة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قرارًا منفصلًا عن منظومة السياسة النقدية، وإنما كجزء من آلية أكبر لإدارة سوق النقد والحفاظ على انضباط حركة أسعار العائد.
تعديل قواعد السوق المفتوحة.. خطوة نحو مرونة أكبر
ولا يمكن قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن التعديلات التي أجراها البنك المركزي على قواعد تنظيم عمليات السوق المفتوحة في أبريل 2024.
فإعادة تنظيم آلية قبول العطاءات المقدمة من البنوك هدفت إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في السوق، مع الحفاظ على متوسط سعر العائد لليلة واحدة بالقرب من سعر العملية الرئيسية.
وهذا يعني أن البنك المركزي لا يعتمد فقط على قرارات دورية بشأن أسعار الفائدة، وإنما يستخدم إطارًا تشغيليًا متكاملًا للتعامل مع تغيرات السيولة واحتياجات القطاع المصرفي.
ماذا تقول الخطوة الأخيرة عن توجه البنك المركزي؟
في تقديري، فإن الرسالة الأبرز من سحب السيولة هي أن البنك المركزي لا يزال يتعامل مع إدارة السيولة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تنفيذ السياسة النقدية.
فالاستقرار النقدي لا يتحقق فقط من خلال تحديد سعر الفائدة، وإنما يحتاج أيضًا إلى إدارة دقيقة لحجم السيولة المتاحة في النظام المصرفي، بحيث لا تتسبب الوفرة أو النقص الحاد فيها في تحركات غير مرغوبة بأسعار العائد قصيرة الأجل.
كما أن العملية تعكس استمرار البنك المركزي في مراقبة ظروف السوق والتدخل بالأداة المناسبة، بدلًا من التعامل مع كل تغير في السيولة باعتباره سببًا مباشرًا لتغيير أسعار الفائدة.
الرسالة الأهم.. إدارة دقيقة لا قرارات مفاجئة
في النهاية، فإن سحب 136.860 مليار جنيه من 7 بنوك يمثل أكثر من مجرد رقم في بيانات السوق المصرفية؛ فهو يعكس جانبًا من الطريقة التي تُدار بها السياسة النقدية بعيدًا عن القرارات الأكثر ظهورًا في الإعلام.
فالمرحلة الحالية تتطلب من البنك المركزي تحقيق توازن حساس بين احتواء التضخم والحفاظ على استقرار سوق النقد من ناحية، ودعم النشاط الاقتصادي والائتمان والاستثمار من ناحية أخرى.
ومن هنا، فإن عمليات السوق المفتوحة تظل واحدة من أهم الأدوات التي تمنح البنك المركزي مساحة للتحرك بمرونة، وتسمح له بإدارة السيولة وفقًا لظروف السوق، دون أن يكون كل تدخل مقدمة حتمية لتغيير أسعار الفائدة.
وبذلك، يمكن النظر إلى العملية الأخيرة باعتبارها رسالة واضحة بأن إدارة السيولة أصبحت جزءًا محوريًا من معركة الحفاظ على الاستقرار النقدي والمصرفي، وأن السياسة النقدية لا تُقاس فقط بقرار رفع الفائدة أو خفضها، وإنما أيضًا بكفاءة الأدوات التي يستخدمها البنك المركزي لإدارة السوق يومًا بيوم.


