
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة شيكاغو أن الأطفال لا يكتفون باكتساب المعرفة في سن مبكرة، بل يطورون أيضًا آليات نفسية معقدة لحماية أنفسهم من القلق، من بينها تجنب المعلومات غير المريحة، وهي ظاهرة معروفة في علم النفس باسم تأثير النعامة.
تشير النتائج إلى أن سلوك تجنب المعلومات المزعجة، الذي يُلاحظ عادة لدى البالغين، يبدأ في الظهور مبكرًا لدى الأطفال، وتحديدًا في عمر السابعة تقريبًا، ففي هذه المرحلة، يصبح الطفل أكثر وعيًا بتأثير المعلومات على مشاعره، ما يدفعه إلى انتقاء ما يريد معرفته، وتجنب ما قد يسبب له القلق أو الإحباط.
وأظهرت التجارب التي أُجريت على أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و10 سنوات، أن الأطفال الأصغر سنًا يتعاملون بفضول متساوٍ مع المعلومات، سواء كانت إيجابية أو سلبية، لكن مع التقدم في العمر، يبدأ هذا الفضول في التحول إلى سلوك انتقائي، حيث يميل الطفل إلى الابتعاد عن المعلومات المرتبطة بنتائج سلبية، خاصة إذا كانت تتعلق بأشياء يفضلها أو يهتم بها.
ويرتبط هذا التحول بنمو القدرة الإدراكية والعاطفية لدى الطفل، إذ يصبح أكثر فهمًا لمشاعر مثل القلق وخيبة الأمل، وبالتالي يسعى بشكل واعٍ أو شبه واعٍ إلى تجنب المواقف التي قد تثير هذه المشاعر.
– المرونة الأخلاقية.. بُعد آخر للسلوك
لم تتوقف نتائج الدراسة عند هذا الحد، بل كشفت أيضًا عن ظاهرة تُعرف بـ”المرونة الأخلاقية”، حيث يتجنب بعض الأطفال معرفة معلومات قد تضعهم أمام اختيارات أخلاقية صعبة، ويسمح لهم هذا السلوك باتخاذ قرارات تخدم مصالحهم الشخصية دون الشعور بالذنب، ما يعكس تطورًا معقدًا في التفكير الأخلاقي لديهم.
– سلاح ذو حدين
يرى الباحثون أن هذا النوع من السلوك ليس سلبيًا بشكل مطلق، بل يحمل جانبين متناقضين؛ فمن ناحية، يساعد الطفل على حماية نفسه من الضغوط النفسية والمشاعر السلبية، خاصة في مراحل النمو المبكرة. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي إلى تكوين انحيازات معرفية، أو اتخاذ قرارات غير دقيقة نتيجة تجاهل معلومات مهمة.
– نصائح تربوية للتعامل مع الظاهرة:
– تشجيع الطفل على طرح الأسئلة وعدم الخوف من معرفة الحقيقة
– تقديم المعلومات بطريقة مبسطة ومناسبة لعمره لتقليل القلق
– دعم الطفل نفسيًا عند مواجهة معلومات مزعجة
– تنمية مهارات التفكير النقدي لديه بدلًا من تجنب المعرفة
– تعزيز ثقافة تقبل المشاعر المختلفة والتعامل معها بشكل صحي
تؤكد هذه الدراسة أن تجنب المعلومات المزعجة ليس مجرد سلوك عابر، بل جزء من تطور نفسي طبيعي لدى الأطفال، ومع التوجيه الصحيح، يمكن تحويل هذا السلوك من آلية دفاعية إلى فرصة لبناء وعي صحي، يساعد الطفل على فهم العالم واتخاذ قرارات أكثر توازنًا في المستقبل.



